طفلة أمام قبر في موقع مقدس لدى الطائفة العلوية بإحدى بلدات إقليم هاتاي التركي (رويترز-أرشيف)
 
يغذي طوفان السوريين الفارين من المعارك في بلادهم التوتر في منطقة تركية اشتهرت بالتسامح الديني، ليضع الأتراك -الذين يشتركون بالمذهب الديني مع الرئيس السوري بشار الأسد- في وضع المواجهة مع حكومتهم.
 
في إقليم هاتاي الحدودي -حيث مجموعات مختلفة من المذاهب الكنسية وسط أغلبية من المسلمين السنة- يتزايد انتقاد الأتراك ذوي الأصول العربية الذين يشاركون الطائفة العلوية الحاكمة في سوريا اعتقاداتها الدينية للدعم التركي غير المحدود لمقاتلي المعارضة السورية.
 
الغالبية العظمى من اللاجئين -شأنهم شأن مقاتلي المعارضة- سنة وأغلبهم يؤيد الانتفاضة، بما يخلق مزيجا قابلا للاشتعال يهدد بأن ينقل إلى تركيا الحرب الأهلية السورية التي يتزايد طابعها الطائفي.

أعمال انتقامية
يقول أغلب العلويين إن الصراع لم يقسم طوائف هاتاي، لكن بعضهم يخشى تطور الأمر الى أعمال انتقامية، ويتحدثون عن أعمال انتقام منعزلة بين السنة والعلويين. وقال رجل إن قوى علوية بدأت تسلح نفسها.

مع مشاركة عناصر إسلامية من الخارج بالحرب يصبح لرواية نظام الأسد عن "حملة إرهابية تهدد الأقليات" وقع خاص لدى علويي تركيا

ومع استمرار القتال بمشاركة عناصر إسلامية من الخارج ترى في الحرب جهادا يصبح للرواية الرسمية السورية عن "حملة إرهابية تهدد الأقليات" وقع خاص لدى الطائفة العلوية التركية التي تعتقد أن حكومتها-التي كانت يوما أهم شريك تجاري للأسد ومن حلفائه- تلعب الورقة الطائفية بتقديم كل الدعم للطرف الذي سيحكم سوريا بعد الإطاحة بالأسد، بما في ذلك شخصيات معارضة وضباط هاربون يقيمون في تركيا.

وقال صاحب متجر علوي في أنطاكية -عاصمة هاتاي- يدعى إيدين "هل تعتقد الحكومة التركية حقا أن الجميع سيكن لها مشاعر الود عندما تنتهي الأحداث؟ الحرب الحقيقية لن تبدأ إلا بعد رحيل الأسد".

وأضاف "لم يكن أمرا مهما من قبل أن تكون سنيا أو علويا أو مسيحيا. كان مجرد السؤال مخزيا. لكن الأمور بدأت تتغير".

مخاوف تركية
وقادت تركيا المطالب بتدخل دولي ووفرت الملاذ للضباط المنشقين، وهددت بعمل عسكري يتجاوز الرد على النيران السورية بالمثل الأسابيع الأخيرة.

وظهرت بوادر الآن على أن تركيا تتحرك لحفظ الاستقرار الطائفي.

وذكر تقرير أن تركيا تحث السوريين غير المسجلين على مغادرة هاتاي، وبذلت جهودا لمنع الثوار من دخول أراضيها.

وفي هاتاي -التي كانت وقتا ما جزءا من سوريا- تتسارع وتيرة التوترات الطائفية، منذ اختلف رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان مع الأسد العام الماضي، لكن المناخ، مع تصاعد القتال على الحدود وتزايد تدفق اللاجئين، أصبح أكثر تقلبا.

ويعيش أكثر من مائة ألف سوري هربوا من القتال في مخيمات على امتداد الحدود. كما يعيش عشرات ألوف اللاجئين غير المسجلين في أنطاكية ومدن وقرى حدودية.

 كانت هاتاي نقطة سهلة لعبور المهربين حتى قبل الانتفاضة لطبيعتها الجغرافية. وقد تحمل الإقليم عبء نزوح السوريين. كما اعتبره مقاتلو المعارضة نقطة انطلاق للعبور من سوريا وإليها.

ويعيش بعض من أعلى الضباط المنشقين رتبا في مخيم بهاتاي في ظل حراسة تركية.

شك متبادل
وقال صاحب المتجر "الغرباء كثيرون هنا الآن.. وهم يتجولون بلحاهم الطويلة بل إن بعضهم ليسوا سوريين. نظرة واحدة إليهم تكفيك لتدرك أنهم قتلة".

أردوغان من حليف للأسد إلى أحد أشد منتقديه (الفرنسية-أرشيف)

وأضاف "هل هؤلاء هم الذين تريد لهم أن يحكموا سوريا؟".

مشاعر الاستياء تصب في الاتجاهين، ففي مستشفى في أنطاكية منع سوري يتولى تنسيق علاج اللاجئين والمقاتلين الجرحى ممرضة تركية من معالجة رجل أحضره للمستشفى، لأنها "علوية وكلهم جواسيس".

نحو نصف سكان هاتاي البالغ 5ر1 مليون نسمة علويون.

وأصبحت هاتاي –التي يعيش فيها الأتراك منذ قرون- إقليما تركيا بعد استفتاء نظم عام 1939 وسوريا مازالت آنذاك خاضعة للانتداب الفرنسي وعمر الجمهورية التركية 16 عاما فقط.

كان العرب على الجانب الشمالي من الحدود علويين، لكن هاتاي كانت أيضا موطنا لأقليات من المسيحيين الشرقيين والكاثوليك والبروتستانت بل ومن اليهود أيضا.

وقد بلغ الاحتكاك الطائفي فيها الشهر الماضي مستوى جديدا عندما تظاهر المئات أغلبهم علويون في أنطاكية منددين بسياسة تركيا تجاه سوريا، في مظاهرة ليست الأولى هذا العام واستعملت فيها الشرطة الغاز المدمع.

تغير تركي
وقالت أنقرة مرارا إن هدفها حماية الشعب السوري ككل، ونفت بشدة انتهاجها نهجا طائفيا، لكن هناك بوادر على أنها بدأت تخشى رد الفعل المحتمل.

 فقد أزيلت فقرات فجة من رسوم كرتونية تتضمن تمثالا مهينا للأسد وهو يطاح به، كانت تبث طوال اليوم على قناة حكومية.

وفي أغسطس/آب راسلت الخارجية محافظي الأقاليم الحدودية تطلب دعوة السوريين غير المسجلين لمغادرة العقارات المستأجرة إلى المخيمات خارج هاتاي، وفق دبلوماسي أجنبي اطلع على الوثيقة.

وقال مسؤول بالخارجية إن الوزارة على اتصال مستمر بالسلطات المعنية، لكنه لم يستطع تأكيد إرسال الخطاب.

وهناك مؤشرات على أن تركيا تحاول النأي بنفسها عن التورط الواضح في الثورة المسلحة.

وقال مقاتلو المعارضة إن اجتماعا لقادة الثوار بأنطاكية ألغي بسبب اعتراضات مسؤولين أتراك.

والشهر الماضي أعلن الجيش الحر -أبرز جماعات المعارضة- نقل قيادته من تركيا إلى مناطق سورية "محررة" في خطوة قال دبلوماسي غربي إن تركيا وراءها.

ونفى مسؤولون أتراك أي تغير في سياسة بلادهم، لكن اللاجئين بمنطقتين حدوديتين ذكروا أن الجنود الأتراك بدؤوا يمنعون المقاتلين من دخول تركيا.

لاجئون: الجنود الأتراك باتوا يمنعون الثوار السوريين من دخول تركيا (الفرنسية-أرشيف)

وقال مصطفى اللاجئ بهاتاي الذي اعتاد العبور بالاتجاهين "يقولون لهم: لا تحملوا إلينا مشاكلكم".

من بواعث القلق أيضا انخفاض ملحوظ في حركة التجارة بسبب الصراع.

ويقول بعض رجال الأعمال إن نشاطهم انخفض بـ 80%، بينما أفلس آخرون مع اختفاء أبناء الطبقة الوسطى السوريين الذين كانوا يفدون برحلات اليوم الواحد سعيا لشراء ملابس الماركات التجارية المعروفة.

كما أن الشاحنات التركية لم تعد تعبر بالسلع إلى سوريا.

مخاوف علوية
ورغم أن بعض العلويين يسلمون برحيل الأسد، فإن مخاوفهم تتركز على من سيحل محله وأثر ذلك على الإقليم المرتبط بصلات وثيقة بجارته الجنوبية.

وسأل قصاب علوي بأنطاكية يدعى إبراهيم رجالا جالسين حوله "من في هذه القاعة لديه على الأقل قريب واحد في سوريا؟" فرفع الجميع أياديهم، وكانوا كلهم علويين، إضافة إلى سني واحد ومسيحي.

وقال إبراهيم "أترى؟ كلنا مرتبطون بسوريا بطريقة ما، وما تفعله تركيا هناك يؤثر علينا جميعا. إذا أوقفت تركيا تأييدها فستتوقف الحرب".

المصدر : رويترز