المحكمة الدستورية العليا اعترضت على المواد الخاصة بها في مسودة الدستور الجديد (الجزيرة نت)

أنس زكي-القاهرة

مرة جديدة تتقدم المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى بؤرة الأحداث باعتراضها على المواد الخاصة بها في مسودة الدستور الجديد، حيث قال رئيس المحكمة المستشار ماهر البحيري إن المحكمة لن تتنازل عما وصفه بحقها في أن يكون اختيار رئيس المحكمة وأعضائها من اختصاص جهة وحيدة هي الجمعية العمومية للمحكمة.

وقال البحيري إن ما ورد بمسودة الدستور من النص على أن يكون تعيين قضاة المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي المحكمة (دون اشتراط موافقتها) هو "ردة غير مقبولة وانتقاص من استقلال المحكمة الذي حصلت عليه بالفعل".

وتأتي الأزمة الجديدة بعد أيام قليلة من اعتراض المحكمة على المواد الخاصة بها وهو الاعتراض الذي هدأ نسبيا بعد  تأكيد الجمعية أن المسودة لا تمثل نصا نهائيا، وأن المسودة طرحت لنقاش مجتمعي يتضمن الترحيب بأي اقتراحات من الجهات المعنية.

وبعد سلسلة من المواجهات المباشرة والمستتترة، بين مؤسسة الرئاسة من جهة، والقضاء، خصوصا المحكمة الدستورية العليا، استخدمت الأخيرة عبارات حادة في انتقادها للمواد الخاصة بها في مشروع الدستور واعتبرت أنها تقضي على استقلال المحكمة وتضعها في يد رئيس الجمهورية.

وذهب ماهر سامي نائب رئيس المحكمة الدستورية والمتحدث باسمها، بعيدا، عندما اعتبر أن البعض داخل الجمعية التأسيسية يسعى إلى تصفية حسابات قديمة والانتقام من المحكمة "تحقيقا لمصالح خاصة" معتبرا أن القضاء المصري وفي قلبه المحكمة الدستورية يواجه محنة قاسية.

د. صبحي صالح: الدستور هو الذي ينشئ سلطة المحكمة وليس العكس (الجزيرة نت)

ليست وصية
في المقابل، عبر أعضاء بالجمعية التأسيسية للدستور عن تحفظهم على موقف المحكمة الدستورية، وقال القيادي بجماعة الإخوان المسلمين د. صبحي صالح إن رفض المحكمة للنصوص الخاصة بها لا يعني الجمعية التأسيسية في شئ، فالمحكمة الدستورية ليست وصية على الجمعية، والدستور هو الذي ينشئ سلطة المحكمة وليس العكس.
 
وأضاف صالح أن الجمعية لا تتعامل مع تصريحات أو بيانات في وسائل الإعلام وإنما تتعامل مع أي مقترحات تصل إليها بشكل رسمي وتبحث سبل الاستفادة منها.

أما أستاذ القانون د. جمال جبري،ل وهو رئيس لجنة نظام الحكم بالجمعية التأسيسية للدستور، فقال إن المواد المتعلقة بالمحكمة الدستورية في مسودة الدستور الجديد لا تختلف كثيرا عن نظيرتها في دستور 1971 الذي تم تعطيل العمل به بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس السابق حسني مبارك.

وأوضح جبريل أن أبرز هذه التعديلات يتعلق بالرقابة القبلية على قانون الانتخابات البرلمانية، وهو ما يستهدف تفادي تكرار ما حدث مؤخرا من إجراء انتخابات تتكلف الكثير من المال والجهد وبعد أن يتشكل المجلس ويبدأ في العمل يأتي القرار بحله، في حين أن الرقابة المسبقة تضمن استمرار سلطة المحكمة في الرقابة ولكن قبل إصدار القانون وليس بعد إصداره وتطبيقه.

عبد الفتاح اعتبر موقف الدستورية نتاج التوتر القائم منذ وصول د. مرسي للرئاسة (الجزيرة نت)

مناكفات
وبينما بدأ الجدل الجديد ولم يتوقف بعد، فإن المحلل السياسي بشير عبد الفتاح يعتقد أنه يأتي في حقيقته ضمن المناكفات والتربص السياسي بين القوى المتنافسة وخصوصا التيار الإسلامي وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين من ناحية، وما توصف بالتيارات المدنية من ناحية أخرى.

وقال عبد الفتاح للجزيرة نت إن اعتراض المحكمة الدستورية يبدو منطقيا من الناحية الشكلية، فهي تشعر وتصوّر الأمر وكأن مؤسسة الرئاسة تريد أن تحرمها الاستقلال وتمارس عليها نوعا من الوصاية وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وفي المقابل فإن الجمعية من حقها أن تصوغ الدستور آخذة بما تراه من مقترحات، ورافضة لما لا ترى جدواه، علما بأن الكلمة في النهاية ستكون للاستفتاء الشعبي.

لكن الأمر في حقيقته، كما يرى عبد الفتاح، يبدو ناتجا عن التوتر القائم بين الجانبين منذ وصل الرئيس د. محمد مرسي إلى مقعد الرئاسة، حيث تنظر الرئاسة وكذلك البرلمان السابق الذي تضمن أغلبية إسلامية، إلى القضاء على أنه بحاجة إلى الإصلاح والتطهير، في حين أن القضاء في معظمه ينظر بارتياب قد يشوبه نوع من التحدي للحكام الجدد.
 
وأضاف عبد الفتاح أن الخلاف بين المحكمة الدستورية والجمعية التأسيسية يمكن حله عبر بعض المساومات والتوافقات، لكن ما قد يفاقم الأزمة هو أن القوى السياسية الرافضة لمسودة الدستور لسبب أو آخر، تحاول التمترس خلف القضاء وخصوصا المحكمة الدستورية كي تتخذ منها رأس حربة في مواجهتها للنظام الذي يقوده الإسلاميون، وهو ما قد يتسبب في تأخير إنجاز الدستور.
 
وختم عبد الفتاح، وهو مدير تحرير مجلة الديمقراطية، بالقول إن القوى المدنية تضع نصب عينيها الانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستجرى عقب إقرار الدستور الجديد، وتدرك أن الكفة ما زالت تميل نحو القوى الإسلامية، ولذلك فهي تتخذ من الدستور الحلبة الأساسية لصراعها ومحاولاتها الانتقاص من شعبية القوى الإسلامية التي تحاول بدورها تعظيم مكاسبها أو على الأقل الاحتفاظ بتفوقها.

المصدر : الجزيرة