الصوماليون يتطلعون إلى الحضور العربي (الجزيرة)

مجدي بدوي

رغم المتغيرات الأخيرة التي شهدتها الساحة الصومالية باختيار حسن الشيخ محمود رئيسا جديدا للبلاد والانحسار النسبي للاشتباكات المسلحة الذي أوجد تفاؤلا ببدء الطريق الطويل نحو الاستقرار وإعادة البناء، فإن الاهتمام العربي بالصومال لا يزال غائبا ولا يعدو اهتماما إغاثيا موسميا إذا اشتد حديث المجاعة هناك.  

هذا الغياب الطويل قد يجد من يبرره، لكن اعتبارات المرحلة كما يرى المعنيون تتطلب التدارك  حتى لا تضيع الفرصة خصوصا وأن ثمة أجواء مواتية لذلك.

ويرى المحلل السياسي الصومالي حسين عبدي أحمد في حديث للجزيرة نت أن العرب لا يبدون اهتماما كافيا بالصومال. ويرجع عبدي ذلك إلى "طول الأزمة الصومالية المستمررة منذ أكثر من عقدين من الزمان، ما جعل اهتمام العرب بالصومال يقل تدريجيا". 

كما أن موقع الصومال في طرف العالم العربي -وفق عبدي- قد أسهم في تقليل الاهتمام العربي، علاوة على أن هناك أحداث جمة في قلب البلاد العربية بمصر وسوريا، وليبيا، قد ساهم في الغفلة، "وهذه الأسباب جعلت الملف يخرج من أيدي العرب إلى أيدي الأفارقة منذ عقد من الزمان".
 
عطية عيسوي:

الفرقاء الصوماليين لم يحافظوا علي أي اتفاق أبرموه، وأعلوا مصالحهم الشخصية والقبلية علي مصلحة الوطن
حالة النسيان
ويتناول الكاتب والخبير في الشؤون الأفريقية عطية عيسوي حقبة الاهتمام العربي بالصومال التي سبقت إهماله فيما بعد فيقول للجزيرة نت إن دولا عربية عديدة مثل مصر والسعودية والسودان واليمن "تقدمت بمبادرات, واستضافت مؤتمرات للفرقاء الصوماليين بهدف إنهاء الحرب الأهلية, وإعادة الاستقرار, وإعادة بناء مؤسسات الدولة, وأسهمت في عمليات حفظ السلام, وقدمت المساعدات لتمكين الشعب الصومالي الجريح من تجاوز المحنة بأقل عدد من الضحايا".

كما يرجع حالة النسيان العربي إلى أن الفرقاء الصوماليين "لم يحافظوا على أي اتفاق أبرموه, وأعلوا مصالحهم الشخصية والقبلية على مصلحة الوطن, فاضطرت الحكومات العربية لأن تنفض أيديها من المسألة واكتفت بانتظار ما ستؤول إليه الأحداث, وتقديم المساعدات الطبية والغذائية للضحايا من البسطاء الصوماليين, مع أن الكرم العربي والأموال الوفيرة كانت كفيلة بتليين عناد الصوماليين لو تم استخدامها في إغواء شيوخ العشائر وأمراء الحرب لإلقاء السلاح والالتقاء في منتصف الطريق".  

فرصة مواتية
ويعتقد عبدي أحمد أن المتغيرات السياسية والأمنية الجديدة على الساحة الصومالية تملي الاهتمام بالصومال، وتؤكد ذلك أيضا الكاتبة المتخصصة في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني معتبرة ذلك "فرصة ذهبية للعرب لتدارك ما فات".

والمتغيرات الأبرز التي يشترك الاثنان في التأكيد عليها، تتمثل في "رئيس جديد من التيار الوطني المقيم في البلاد، ومصدر تأييده المجتمع المحلي، وهيئة تشريعية جديدة، وتحسن أمني في كثير من المناطق، والعودة التدريجية لهيبة الدولة".

وتقول أسماء الحسيني للجزبرة نت إن قطاعات واسعة من الصوماليين يرون أن هناك أملاً يلوح في الأفق، وأن الأوان قد آن لكي ينفض الصومال عن نفسه آثار وجراح عقدين مريرين قضاهما منذ سقوط دولته المركزية في حرب أهلية وتدخلات خارجية، أوصلته إلى هاوية سحيقة، بعد تمزق أقاليمه وانتهاك أراضيه واستباحة شواطئه والمجاعات التي ضربته.

أسماء الحسيني: هناك فرصة ذهبية لتدارك الغياب عن الصومال (الجزيرة)

ومن واقع مشاهداتها خلال زيارتها إلى الصومال، ترى أسماء الحسيني أن تلك الأوضاع تغيرت "حيث بدأت أعداد كبيرة من الصوماليين المغتربين في العودة برساميل وخبرات ومشاريع ترى النور، وامتدت يد البناء لإعادة إعمار ما خربته الحروب، وذلك بعد أن استجدت أمور دفعت الدولة المنسية المهملة، التي طالما وُوجهت في عالمها العربي وقارتها الأفريقية والعالم بالتجاهل واللامبالاة".

مجالات الدعم
وفي إطار مجالات الدعم والاهتمام يدعو عبدي العرب إلى تقديم يد العون للصومال في مجالات الأمن "لأنه لا حياة بدون أمن وإعادة بناء الحكومة، كذلك إعداد البرامج التعليمية، وبناء المستشفيات"، مؤكدا أن المجال مفتوح أمام العرب، كما يقارن بين الدورين التركي والعربي في الصومال قائلا إن تركيا دخلت للصوماليين من أبواب واسعة منها المنح الدراسية  للمئات من الطلبة، وبناء عشرات المستشفيات.

أما عيسوي فيحذر من"ضياع الفرصة على العرب في الصومال كما حدث في العراق وأفغانستان‏,‏ وما يحدث الآن في ليبيا‏". ويضيف أن "الدول الغربية ودول الجوار سوف تقتسم الكعكة الصومالية بعد الانتهاء من إعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة‏, وإنهاء تمرد الشباب المجاهدين. بينما تكتفي الدول العربية بلعق جراحها والحسرة نتيجة غياب حكوماتها عن المشهد الصومالي في السنوات الأخيرة".

والخسارة العربية والإسلامية المهمة الأخرى برأي عيسوي هي "أن الفوضى في الصومال أثارت قلق دول جوار مثل كينيا وإثيوبيا فلجأت لطلب مساعدة إسرائيل التي سارعت بعرض المساعدة في تأمين الحدود من هجمات المتشددين الصوماليين وعناصر تنظيم القاعدة المتسللين, ثم وعد (رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامبن نتنياهو بالمساعدة على إقامة تحالف مناهض للتطرف في شرق أفريقيا يضم كينيا وإثيوبيا وجنوب السودان وتنزانيا".

ويذكًر عيسوي بحقائق أساسية تتعلق بالأهمية الإستراتيجية لهذا البلد الذي أسهم في إغلاق باب المندب أمام سفن إسرائيل في حرب 1973, وهو الذي يتحكم في ممر حركة التجارة العالمية, وصادرات البترول العربي عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي حيث يمر فيها 40% من بترول العالم, و10% من حجم تجارته بمعدل 22 ألف سفينة سنويا.

المصدر : الجزيرة