سكان الأشرفية عبروا عن ذهولهم لوقوع عملية الاغتيال بشارع بسيط وفرعي (الجزيرة)


جهاد أبو العيس–بيروت

رغم مرور يومين على التفجير الذي هز الحي الهادئ والبسيط في ساحة ساسين بمنطقة الأشرفية ذات الغالبية المسيحية ببيروت والذي قتل فيه رئيس شعبة المعلومات اللبناني اللواء وسام الحسن، ما زال الذهول سيد الموقف، وبدا عند حديث الجزيرة نت مع سكان الحي وكأن التفجير وقع للتو.

جميع من استطلعت الجزيرة نت آراءهم كانوا مذهولين، وعلامات الوجوم والصدمة ترتسم على محياهم، لم يتحدث أي منهم بطلاقة، بل على العكس كانوا جميعا يلقون الفكرة ويتبعونها بأخرى غير متشابكة معها، ثم يصمتون لوهلة قبل معاودة الحديث من جديد، يتراوحون بين فكرة هنا أو زاوية استحضرتها الذاكرة للتو هناك، وكل ذلك تحت وقع الصدمة.

لم أستطع حتى اللحظة وأنا أتحدث إليك أن أتصور ما حدث –يضيف الشاب شربل ابن الحي للجزيرة نت- "كنت وقتها في المنزل أشاهد التلفاز قبل أن أشعر بنفاذ الهواء من حولي لوهلة قبل سماعي دوي الانفجار الهائل".

شارع بسيط
يضيف شربل "شارع الانفجار، كما تراه، بسيط للغاية وجانبي غير رئيسي، الحياة فيه قبل الانفجار كانت رتيبة كما كل يوم، لم ألحظ وغيري تغيرا بارزا لافتا يدل على أننا مقبلون على كل هذا القتل والدمار".

ساحة ساسين التي شهدت الانفجار الأعنف منذ اغتيال بشير الجميل عام 1982 (الجزيرة)

وقال "لا أحد يملك التنبؤ حتى لو كان خبيرا بأن هذا الشارع الفرعي سيكون مسرحا لهذه الجريمة، عند سؤالي سكان الحي والأصدقاء عن أي مظاهر غريبة في اليومين لنمسك بخيط لفهم ما جرى في الحي لم يتحدث أحد البتة عن أي تغير في الرتابة منذ عشرات السنين، نحن كما نحن لم نتغير".

وزاد توضيحا "الشارع فيه ثلاثة بنوك وبعض البقالات التموينية، وحركة الدخول والخروج للزبائن متعددة، بالتالي لا تستطيع أن تميز كثيرا أن هذا القادم أو الذاهب من أصدقاء أهل الحي أم أنه عابر طريق خطط ونفذ عبر ركنه للسيارة المفخخة كما يركن الجميع".

أبو سلام "سائق تاكسي" روى للجزيرة نت كيف نجا بأعجوبة من الموت حين غادر مكان التفجير على غير العادة في مثل هذا الوقت، "ذهبت لتناول الغداء في بيتي في موعد مبكر على غير عادتي لأصعق بأن التفجير وقع بالقرب مما كنت أنتظر زبائني"، وقال "الشهيد الحسن جاء لهذا المكان لسحب نقود من بنك لبنان والمهجر فقط".

صراخ وحرائق
فادي عبود روى بدوره حالة الهلع التي انتابته وقت الانفجار بسبب مغادرة شقيقه البيت قبل وقوعه بخمس دقائق "كان الانفجار قويا جدا، الكل كان مذهولا ولا يدري ماذا يفعل، كل ما جاء في بالي هو أخي الذي خرج للجامعة قبل ذلك بدقائق، فسارعت للاتصال به وشكرت الله أنه في منطقة بعيدة".

وعن مشاهدته بعد ذلك قال "نزلت لمكان الحادث فرأيت حرائق هنا وهناك وأشخاصا يصرخون ملأت وجوههم الدماء، وآخرين يركضون بضحايا، وجرحى يتألمون وينشدون المساعدة، والكل يصرخ وينادي وسط حالة من الخوف الشديد مما جرى".

وقال "علمنا اليوم فقط أن اللواء الحسن له شقة في برج سان جورج القريب نسبيا من هنا، ربما احتاج لمراجعة بنك أو شراء بعض الحاجيات من شارعنا، لكن لم يصدف أن تحدث أحد أن تردده للمكان كان لافتا حتى يخطط لذلك الفاعلون".

أحد شهود العيان ممن فضل عدم ذكر اسمه قال حانقا "لم يكن أحد يتوقع البتة أن يقع في مكان كهذا انفجار ولا في سابع الأحلام، توقعنا أن تقع التفجيرات في الشمال أو الضاحية، لكن في هذا الحي الهادئ وهذا الشارع الفرعي الصغير هنا كامل الغرابة".

وقال منتقدا الأداء الرسمي حيال ما جرى "بيت قريبي احترق بالكامل وجرح اثنان من أفراد العائلة، وحتى اللحظة لم يتصل بنا أحد للحديث عن أي تعويض، الكل انشغل بتصريحات الساسة وماذا سيفعلون فقط ويقولون".

شاهد عيان آخر -رفض ذكر اسمه- قال "كنت في البيت وقتها، سمعت انفجارا كبيرا جدا أدى لتكسير واجهة زجاج بيتي التي كنت بعيدة عنه، بعدها بوقت قصير جدا وقع انفجار آخر بدرجة أخف .. نزلت وشاهدت حرائق وصليبا أحمر وزجاجا مكسورا ودماء، ولأول لوهلة لم أملك الشجاعة للمساعدة، فقد كنت مذهولا وغير مصدق لما يجري".

وعن الشعور بالأمن قال "جديا وفعليا أفكر بالهجرة من البلد، لا يوجد أمن في لبنان، كل من سيقول لك سنصل للحقيقة في هذا التفجير وما قبله كاذب، ما جرى أعادنا وذكرنا بإرهاصات ما قبل وقوع الحرب الأهلية".

مستقبل مجهول
وعن رؤيته للحل وردود الفعل القادمة قال "ردود الفعل ستأتي شديدة في الأيام القادمة، في اغتيال الحريري هدأ الشارع بخروج السوريين، اليوم ما الذي سيهدئ الشارع؟ لا شيء سوى الرد بالمثل،  وبالمثل سيذهب لبنان للمجهول".

بعض مما تبقى من دمار الانفجار (الجزيرة)

شربل هاشم أحد شباب الحي قال بدوره إنه عند الانفجار اتصل فورا بزوجته ووالدته لتطمينهم عليه حتى لا يقلقوا، لأن الخطوط ستشغل وتغلق بعد دقائق فكان حريصا على الاتصال قبل كل شيء.

وأضاف منتقدا أداء الإعلام الداخلي اللبناني "أزعجنا جدا تغطية الإعلام اللبناني للحادث، لم يذكر أحد عدد أو أسماء القتلى أو الجرحى حتى بعد ساعات طويلة من وقوعه، الكل ركز على حضور الشخصيات السياسية وتصريحاتها فقط ونسوا كل الدماء التي كانت تنزف خلف الكاميرات، وهو ما زاد من قلق وخوف الناس في ظل المنع الأمني من دخول المكان".

أما جهاد أبو زيد فلفت الحديث إلى وجود دلائل لكشف التفجير، وقال "توجد عدة بنوك في الحي ولها كاميرات تصوير متعددة على طول الشارع، إذا أرادت الأجهزة المعنية تعرّف هوية من ركن السيارة المفخخة فسيكون ذلك سهلا، لكني لا أعتقد أن أحدا في البلد يريد معرفة الحقيقة كما غابت حقائق كل الاغتيالات السابقة".

سكان الحي أجمعوا على أن الانفجار أعاد ذاكرتهم ثلاثين عاما للوراء، يوم اغتيال رئيس حزب القوات اللبنانية بشير الجميل أيضا في الأشرفية، فحجم الصوت والدمار وآلية التفجير كل ذلك استحضر ذاكرتهم وأعادها إلى ذلك اليوم من العام 1982.

المصدر : الجزيرة