أحد الحجاج التتار مع زوجته بمكة المكرمة (الجزيرة نت)

محمد صفوان جولاق - كييف

لمسلمي أوكرانيا وغيرها من دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى مع الحج تاريخ وحكايات، فرضها حرمانهم من هذه الفريضة لنحو قرن من الزمن أو يزيد، وجعل منها حلما لا يستطاع إليه سبيلا.

فقد ضيقت الإمبراطورية الروسية الخناق نهاية القرن الـ19 على المسلمين الراغبين بالحج في الدول التي خضعت لسيطرتها، وأعدادهم كانت تقدر بنحو عشرين مليونا، ثم قام الاتحاد السوفياتي السابق ليزيد الخناق عليهم، فحارب الديانات ومظاهر التدين عموما، ومنع السفر لمقاصد دينية أو حتى فكرية تخالف نظريات الشيوعية الحاكمة آنذاك.

حكايات وألقاب
وبسبب هذا الحرمان، انتشرت بين مسلمي بعض هذه الأجزاء من العالم قصص وحكايات كثيرة عن الحج ورحلاته وحتى مغامراته، كما انتشرت ألقاب خاصة بعائلات من استطاع أن يحج من أفرادها.

الجزيرة نت زارت عددا من كبار السن بإقليم شبه جزيرة القرم جنوب أوكرانيا الذين أدوا فريضة الحج بعد الاستقلال عام 1991، واستمعت منهم إلى بعض تلك الحكايات التي شاعت خلال الحقبة السوفياتية.

يقول الحاج صبري أجي أسانوف (75 عاما) إن حكايات الحج كانت الأكثر تشويقا وإثارة بطفولته، ولكنها كانت تحتوي على كثير من الأساطير والمغامرات والخرافات خلال طرقها الطويلة المختلفة، وخاصة عبر أفغانستان والهند ثم بحرا إلى الحجاز.

لكنه اعتبر أن تلك الحكايات حببت إلى الأطفال الإسلام، وشوقتهم لزيارة الكعبة ومسجد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، في ظل المنع والحرمان اللذين كانا قائمين.

ويشرح الحاج صبري اسم عائلته "أجي أسانوف" (الحاج حسان) فيقول إن مصدره هو جده حسان، الذي حج قبل قيام الاتحاد السوفياتي، فسميت اسم عائلته باسمه "تبركا".

ويعبر الحاج عبد الرشيد (77 عاما) عن مشاعره بعد أن حج قبل عدة أعوام، فيقول "لقد كانت رحلة عمري التي لن أنساها، كانت حلما تحقق رغم كبر السن، زرت خلالها مقدسات المسلمين وأرض حكايات أبي وأمي، والتي أحكيها اليوم بدوري لأحفادي".

الحاج عبد الرشيد بالحرم المكي (الجزيرة نت)

رحلة الحج
دارت الأيام واختلفت الأحوال، وبات من الممكن لأي راغب من مسلمي أوكرانيا أو غيرها الذهاب لأداء الفريضة، ولكن التاريخ بقي حاضرا في نفوس الحجاج، وخاصة ممن لم يستطيعوا الحج قبل الاستقلال.

يجتمع حجاج القرم من التتار المسلمين (وعددهم يقارب مائة من أصل 165 يتوجهون إلى الحج هذا العام) بالمركز الثقافي الإسلامي بمدينة سيمفروبل للانطلاق إلى كييف ضمن رحلة الحج، وبحضور المودعين ووسائل الإعلام، وحتى بعض المسؤولين بالدولة.

يقول الشيخ حيد (60 عاما) "لم تعد الأمور معقدة وصعبة كما كانت، فثمة تسهيلات كثيرة، ومنح مجانية أحيانا للراغبين، ممن لم يستطيعوا الذهاب سابقا، ويمنعهم الفقر حاليا".

ويضيف "خلال ساعات قليلة سنصل إلى المدينة المنورة من العاصمة كييف مباشرة، بينما كان أجدادنا يقضون عدة شهور بالطريق، ويتعرضون خلاله لمختلف أنواع الأمراض والمشقات، وكثيرا ما كانت أعمارهم تنتهي في طرق الحج".

وعن أولئك المحرومين، تقول كريمة (30 عاما) إنها وزوجها ينويان الاعتمار عن والديهما وغيرهما ممن لم يستطيعوا الحج وتمنوه، ثم حالت ظروفهم الصحية أو الموت دون تحقيق ذلك، مشيرة إلى أن ذلك بات عادة، في إطار الوفاء والشعور بالواجب.

المصدر : الجزيرة