مخطط الجدار العازل يمر بموازاة خط سكة حديد الحجاز (الجزيرة)

عوض الرجوب-بتير

تعيش بلدة بتير الفلسطينية (جنوب القدس) حالة من الترقب انتظارا لما ستسفر عنه محاولات إقصاء الجدار الإسرائيلي العازل عن أراضيها وتراثها، خاصة بعد أن أوصت جهات إسرائيلية رسمية بإيجاد مسار بديل لمساره الحالي.

ولا تبعد بلدة بتير التي يقطنها نحو خمسة آلاف نسمة، ولا تزيد مساحتها على 12 ألف دونم، سوى بضعة كيلومترات جنوبا عن قلب مدينة القدس، وتتبع حاليا محافظة بيت لحم، بينما يمر من طرفها الشمالي خط سكة حديد الحجاز الذي أنشأه العثمانيون ويستخدمه الاحتلال.

وفازت البلدة خلال أبريل/نيسان الماضي بجائزة "ميلينا كوري" للحفاظ على التراث الطبيعي والثقافي التي تقدمها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، وذلك من بين ثلاثين موقعا عالميا شاركت في المسابقة، في حين يعكف الفلسطينيون حاليا على تحضير ملف ترشيحها لقائمة التراث العالمي.

قنوات ونظام ري متوارث (الجزيرة)

أهمية تاريخية
وتكتسب البلدة ذات المياه الوفيرة والطبيعة الخضراء الجذابة أهميتها من ذلك الإرث الحضاري الذي توارثته منذ ما يزيد على خمسة آلاف سنة، أبرزها الخربة والزيتون الرومي وينابيع المياه والمدرجات الزراعية ومنظومة ري نادرة.

ويفتخر رئيس مجلس محلي بتير حسن أبو عوينة بأن بلدته تحتضن أقدم آثار للوجود الإنساني "فالرومان والكنعانيون والبيزنطيون والإسلاميون كلهم تركوا بصماتهم في البلدة"

ويتجنب رئيس المجلس التطرق -خلال حديثه للجزيرة نت- للتواريخ والأرقام، لكنه يقدر عمر قنوات الري التقليدية والسلاسل الحافظة للتربة بأكثر من خمسة آلاف سنة "ولذا تحتفظ بقيمة تاريخية نادرة" موضحا أن البلدة تنفرد بنظام ري توارثته عبر الأجيال، ومتوافق عليه بين عائلاتها الثماني، لري مزروعاتها في قطع شبه متساوية من الأراضي.

وذكر أن السكان يعتمدون على العين (النبع) الرئيس الذي رممه أحد مثقفيها (حسن مصطفى) عام 1950، وهو عبارة عن قطعة حفر رومانية تزود البركة بالمياه التي تُوَزّع بواقع 24 ساعة لكل عائلة، حيث تجمع المياه في البركة (نحو أربعمائة متر مكعب) ليلا وتوزع على المزارعين نهارا.

ومع تزايد أفراد العائلات وتعدد الورثة -يضيف أبو عوينة- فإن كبير العائلة يتولى تقسيم حصة المياه المتجمعة ليلا على فروع عائلته، وفق مقياس دقيق بعد حساب كمية المياه المتجمعة.

ويتابع رئيس مجلس محلي بتير أن المياه تتدفق من البركة الرومانية إلى البساتين التي تزرع غالبا بالخضراوات عبر قنوات ري ترابية وصخرية شيّدها الرومان ومَن بعدهم، وأجريت عليها بعض التحسينات والترميمات لحفظ المياه.

ويفتخر أبو عوينة بأن البلدة التي ينتمي إليها تخلو من الأمية، موضحا أن نسبتها تقارب الصفر "فلا توجد عجوز بلغت السبعين لا تستطيع القراءة والكتابة".

حسن أبو عوينة يفتخر بانتمائه لبلدة تخلو تماما من الأمية (الجزيرة)

تهديد الجدار
لكن غزارة الإرث وعمق التاريخ الإنساني لم يشفع للبلدة، فجاء مخطط الاحتلال لإقامة جدار يفصلها عن القدس ويلاصق المدرسة الأساسية فيها، ليعزل نحو ألفي دونم من الأراضي عن مالكيها (الدونم يساوي ألف متر مربع).

ويتجه الجدار -وفق رئيس المجلس- من قرية الولجة شرقا، ويخترق أراضي البلدة غربا بموازاة خط سكة حديد الحجاز (سابقا) الذي يربط اليوم القدس بسائر المدن الإسرائيلية، مفسدا قنوات الري وعازلا كروم الزيتون.

ورغم عدم تغير الواقع على الأرض، واستمرار التداول في القضية داخل أروقة المحاكم الإسرائيلية، يستبشر السكان خيرا باعتراض سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية على إقامة الجدار.

فلأول مرة منذ شروع إسرائيل في إقامة الجدار بالضفة، تطلب جهة رسمية إسرائيلية من الأجهزة الأمنية "النظر في بديل للحفاظ على الأمن في المنطقة" مؤكدة أن المكان يحظى بأهمية تراثية على مستوى عالمي، وسيؤدي بناء الجدار إلى تدمير تام للمشهد الزراعي التقليدي.

واعتبر وكيل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية حمدان طه موقف سلطة البيئة ثمرة جهود قامت بها مؤسسات حكومية وأهلية للحفاظ على القيمة العالمية بهذا الموقع، خاصة بعد توصية لجنة التراث العالمي في سانت بطرسبرغ هذا العام بالحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني المهدد وخاصة مدرجات قرية بتير.

وأضاف أن المدرجات الزراعية والمواقع الأثرية والمشهد الثقافي الطبيعي المميز لهذه المنطقة يعتبر مثالا حيا على نشاط الإنسان عبر آلاف السنين، مؤكدا أن العمل جار لتقوية ملف بتير وتجنب أي ثغرات خصوصا فيما يتعلق بالمعايير المقترحة لتسجيل هذا الموقع على لائحة التراث العالمي.

المصدر : الجزيرة