مهري أحد أبرز قيادات الثورة الجزائرية (الجزيرة-أرشيف)

"أنتم لم تحكموا بعد وصدرت عنكم أشياء مخيفة"، يخاطب عبد الحميد مهري (1926-2012) زعيمَ الجبهة الإسلامية عباسي مدني في نقاش تلفزيوني عام 1991، بدا فيه الأخير منتشيًا بانتصار انتخابي يراه قادمًا لا محالة، سيوصل إسلامِيي هذا الحزب إلى السلطة.

يحمل الرجل بشدة، لكنْ بملامح لا يفارقها الهدوء، على الجبهة الإسلامية، حتى ليخيّل للمشاهد أن العداوة بين أكبر حزبين متنافسين في الجزائر حينها، قد استحكمت، وليست إلى زوال.

بعد أشهر فقط من ذلك النقاش سيتحول مهري إلى أحد أشد المنافحين عن الجبهة الإسلامية، التي حُظرت بعد أن تدخل الجيش وألغى انتخاباتٍ فازت بدورها الأول وكانت ستفوز على الأرجح بدورها الثاني.

الخاسر الأكبر في الانتخابات كان حزبَ مهري، لكنه اختار مع ذلك الدفاع عن الجبهة الإسلامية التي ألحقت بحزب الجزائر العتيد هزيمة منكَرة، وقد كلفه ذلك الموقف حصارا سياسيا وإعلاميا امتد سنوات طويلة.  

أن تقول لمواطنٍ: لا حقوقَ لك بعد اليوم.. فإنك تعيد ببساطة إنتاج نظام الأهالي

بعد عشرين سنة يشرح مهري لمَ اتخذ موقفه ذاك، قائلا: "أن تقول لمواطن ما: لا حقوقَ لك بعد اليوم لأنه فكّر بهذا الشكل أو ذاك. أن تقول له إنك لا تستطيع الترشح أو أن تسجنه في الصحراء.. فإنك تعيد ببساطة إنتاج نظام الأهالي" الذي كان يطبقه الاحتلال الفرنسي في مستعمراته، وكان يعني أن السكان الأصليين مواطنون من الدرجة الثانية.

إلكترون حر
قبل أن يصبح خصمًا عنيدا للنظام بعد 1992، كان مهري جزءا من السلطة. لم يكن يوجد بعد الاستقلال إلا حزب واحد، يتداخل عضويا مع النظام، لكنه نظامٌ كان مهري فيه أقربَ إلى إلكترونٍ حر، ستزداد حركتُه مع الانفتاح السياسي عام 1989.

"ما دمنا اتجهنا إلى نظام ديمقراطي متعدد فإن جبهة التحرير يجب أن تستقلّ برأيها عن المؤسسة العسكرية"، ذاك ما سيقوله مهري بعد سنوات لبرنامج زيارة خاصة الذي تبثه الجزيرة.

بدأ مهري النضال الوطني مبكرا، وتنقل بين أكثر من تيار إلى أن انتهى به الأمر في حزب الشعب، الذي انبثقت منه جبهة التحرير الوطني، التي فجرت الثورة.

عمل ضمن وفود جبهة التحرير الخارجية وعضوا في حكومة الثورة المؤقتة، وعندما استقلت الجزائر واجه في 1965 معضلة واجهها كثيرون غيره: الوقوف مع من: أحمد بن بلة أو وزير الدفاع هواري بومدين المنقلب على رئيسه؟

سيتقلد مهري في نظام بومدين مدة 12 عاما، منصبا بعيدا عن الجدل -السياسي على الأقل- هو الأمانة العامة لوزارة التعليم العالي.

وبعد وفاة بومدين سيعمل وزيرا للإعلام والثقافة، ثم سفيرا في فرنسا والمغرب، حتى استدعائه في 1988 لإنقاذ حزبٍ حاكمٍ أنهكه الترهل والفساد، وفقد كل شعبيته تقريبا، كما عبرت عنه ذلك العام احتجاجاتٌ قتل فيها المئات.

مهري بالمعارضة
بعد إلغاء انتخابات 1991 التشريعية، لم يكن الوقوف على مسافة واحدة من أطراف الأزمة في سنوات الحرب الأهلية تلك صمّامَ أمان بالضرورة.

لكن حتى تاريخِ مشاركته عام 1995 مع أحزاب المعارضة (وبينها الجبهة الإسلامية المحظورة) في ندوة سانت إيجيديو في إيطاليا -التي دعت إلى انتقال سلمي للسلطة في الجزائر- بدا أن عبد الحميد مهري رجل يمكن السكوت عنه.

ندوة سانت إيجيديو كانت مفصلية في مسيرة مهري، فقد كانت سببا رئيسيا في التحول الذي طرأ على حزبه (جبهة التحرير الوطني) الذي انتقل، بعد أن خرج مهري من قيادته، من حزبٍ معارض إلى حزب مشارك في السلطة.

يتهم معارضون الاستخبارات الجزائرية بتنظيم ما بات يُعرَف بـ"المؤامرة العلمية" التي أطاحت بمهري، وحملت إلى قيادة حزبه سياسيين أخذت مواقفهم تنأى بنفسها شيئا فشيئا عن المعارضة، إلى أن أصبحت جبهةُ التحرير طرفا أصيلا في السلطة.

التدخل الأجنبي قد تكرّس أصلا باستسلام هذه الأنظمة

بعد أن خرج مهري من قيادة جبهة التحرير قلّ تأثيره السياسي في المعارضة، لكن صوته ظل دائمَ الحضور إعلاميا.

القابلية للاستعمار
كان مهري يتهم النظام الجزائري بأنه مسؤول عن حالة العزوف عن السياسة التي أصبحت سمة أصيلة بين الشباب، موفرًا بذلك -كما قال- شروط "القابلية للاستعمار" التي كان يتحدث عنها مالك بن نبي.

وعندما بدأت الثورات العربية العام الماضي، وأخذت بعض الأنظمة تتذرع في مواجهتها بمناهضة التدخل الأجنبي، كان مهري يرى أن "التدخل الأجنبي قد تكرّس أصلا باستسلام هذه الأنظمة".

وكان بكلامه هذا يعلّق الصيفَ الماضي في لقاء مع صحيفة جزائرية على موقف الجزائر من الحرب في ليبيا، متمنيًا لو ذهب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ليقنع معمر القذافي بوقف "المجازر".

لكنه سريعا ما يستطرد كمن يعرف استحالة ذلك، فـ"لا يجرؤ على التشكيك في نظامٍ عربي نظامٌ هو أصلا له قرين".

المصدر : الجزيرة