مشهد تصويري لمسباري غرايل في مدار القمر (الفرنسية-أرشيف) 

هشام ناسيف

في يوليو/تموز 1969 تحقق واحد من أكبر أحلام البشرية في تاريخها، ألا وهو نزول أول إنسان على سطح القمر، ثم تكررت الرحلات الفضائية المأهولة بعد ذلك التاريخ إلى سطح الكوكب خمس مرات حتى العام 1972.

ترسخ جراء هذه الرحلات المتكررة -الناجحة في معظمها- اعتقاد لدى الكثيرين بأن معرفة القمر وخباياه قد اكتملت أو تكاد وأن علماء الفضاء أضحوا يتطلعون إلى ما وراءه من النجوم والكواكب.

لكن إقدام وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) على إطلاق مسبارين فضائيين -يعرفان بمسباري "غرايل"- بهدف "استكشاف" القمر في سبتمبر/أيلول من العام الماضي خلق التباسا في أوساط المتتبعين حول مستوى المعرفة العلمية الحقيقية التي وصل إليها العلماء في هذا الإطار.

بل أثار الأمر شكوكا فعلية حول مدى قدرة برامج الاستكشاف الفضائي للدول العظمى على سبر أغوار الكون الفسيح الذي لا يمثل القمر سوى جزء متناهي الصغر منه.

مسبارا غرايل في مرحلة التركيب (الفرنسية-أرشيف)

رحلة "غرايل"
انطلق مسبارا غرايل -وهما من صناعة وحدة استرداد الجاذبية والمعمل الداخلي في إدارة الطيران والفضاء بناسا- على متن صاروخ "أليانس دلتا 2" من قاعدة كيب كانفيرال بولاية فلوريدا الأميركية، ووصلا تباعا إلى مدار القمر في 31 ديسمبر/كانون الأول 2011 ومطلع يناير/كانون الثاني 2012.

واحتاج المسباران إلى وقت يزيد بثلاثين مرة عن مدة الرحلات الاعتيادية السابقة للوصول للقمر، حيث قطعا ما يزيد عن أربعة ملايين كيلومتر في ظرف ثلاثة أشهر ونصف الشهر.

وكان الهدف الرئيس وراء إطلاق المسبارين -حسب وكالة ناسا- هو دراسة كيفية تشكل القمر من خلال "استكشاف جزئه الداخلي، لتقديم مزيد من التفسير حول نظرية النشوء الحراري على القمر وإنجاز قياسات دقيقة لجاذبية الكوكب".

لكن ما أثار تساؤل المتتبعين كان تصريح الباحثة الرئيسية المسؤولة عن المشروع ماريا زوبر، حين قالت بمناسبة وصول المسبارين إلى مدار القمر، بأن "القمر لا يزال غامضا في العديد من أوجهه.. وأن هذه المهمة ستعيد كتابة كتب العلوم حول تطور الكوكب".

المراقبون يرون أنه من الضروري أن تتم معالجة مسألة التفاوت الصارخ بين النفقات الضخمة التي تخصص لرحلات استكشاف الفضاء وجدوى هذه الرحلات. وهذا الأمر لا يتأتى إلا من خلال التركيز على برامج الفضاء الأكثر نفعا والأقدر على الاستجابة للانتظارات الملحة للبشرية من قبيل البحث عن حلول لمشكل الانحباس الحراري، ومشكل النفايات النووية والصناعات المرتبطة بها، والبحث عن مصادر طاقة بديلة

تساؤلات عديدة
فهذا التصريح يظهر بجلاء أن علماء الفضاء ورغم مرور أكثر من نصف قرن على بداية استكشاف القمر لازالوا يحملون تساؤلات عديدة حول تركيبة وطريقة تكون الكوكب، بل يدعم حديث بعض المنابر الإعلامية عن أن للقمر "أوجها خفية" لازالت عصية على الاستكشاف.

كما يعزز هذا الأمر موقف المعارضين -خاصة داخل الولايات المتحدة الأميركية- لإنفاق عشرات المليارات من الدولارات في برامج استكشاف لا تحقق في الغالب سوى نتائج هزيلة بدل صرفها في برامج اجتماعية وصحية يبقى الملايين من سكان الأرض في أمس الحاجة إليها.

من جهة ثانية يرى علماء كثر أنه من الضروري استكمال استكشاف كوكب القمر لجعله منصة انطلاق إلى عوالم أخرى بالفضاء الخارجي -كالمريخ مثلا- واستغلال الثروات الطبيعية التي تزخر بها هذه العوالم.

والأمر الأكيد بين هذين الموقفين المتعارضين هو أن مسيرة التقدم العلمي -وتحديدا في مجال الفضاء- لا ينبغي البتة أن تتوقف عند هذا الحد بل لا بد أن تستمر مسيرة "النفاذ" إلى العالم الخارجي بما يتيح للبشرية جمعاء استغلال ما تتيحه هذه العوالم من فرص علمية واستكشافية جديدة.

لكن مراقبين يرون أنه من اللازم معالجة مسألة التفاوت الصارخ بين النفقات الضخمة التي تخصص لرحلات استكشاف الفضاء وجدوى هذه الرحلات.

وهذا الأمر لا يتأتى برأيهم إلا من خلال التركيز على برامج الفضاء الأكثر نفعا والأقدر على تلبية الانتظارات الملحة للمجتمع البشري من قبيل البحث عن حلول لمشاكل الانحباس الحراري، والنفايات النووية والصناعات المرتبطة بها، والبحث عن مصادر طاقة بديلة من شأنها تجنيب البشرية مزيدا من الحروب وتخفيف حدة التوتر الحاصل في العالم.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة