أوباما وعلى يمينه بانيتا وخلفه أودييرنو (الفرنسية)

عبد العظيم محمد الشيخ

شكلت إستراتيجية الدفاع الأميركية الجديدة التي أُميط اللثام عنها مؤخرا نقطة تحول ليس للمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة بل للرئيس باراك أوباما أيضا الذي توشك ولايته الأولى على الانقضاء.

ولعل أبرز ملامح تلك الإستراتيجية تتمثل في تجاوز أوباما للحربين اللتين ورثهما عن سلفه جورج بوش الابن، والتركيز على التحديات الأمنية في منطقة آسيا والمحيط الهادي والشرق الأوسط، وتطوير الوجود العسكري في أوروبا.

وتنطلق الإستراتيجية -كما هو معلوم- من خطة تقشف ستشمل موازنة وزارة الدفاع (البنتاغون) خلال السنوات العشر المقبلة، ويتوقع لها أن توفر مبلغ 487 مليار دولار.

وتستند الإستراتيجية الجديدة على فكرة رئيسية هي "الالتزام المتجدد بتأكيد مكانة أميركا في منطقة آسيا/الباسفيك"، حسب وصف وزير الدفاع ليون بانيتا.

فأهمية تلك المنطقة في تعاظم بالنسبة لمستقبل اقتصاد الولايات المتحدة وأمنها القومي، خاصة أن واشنطن فوتت على نفسها فرصا لتحسين وضعها الإستراتيجي في مناطق أخرى، نظرا لأنها غاصت في وحل العراق وأفغانستان عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.



أهمية آسيا/الباسفيك في تعاظم بالنسبة لمستقبل اقتصاد الولايات المتحدة وأمنها القومي، خاصة أن واشنطن فوتت على نفسها فرصا لتحسين وضعها الإستراتيجي في مناطق أخرى نظرا لأنها غاصت في وحل العراق وأفغانستان
ويأتي هذا التحول في ظل أزمة خانقة تعيشها الولايات المتحدة بينما يشهد الاقتصاد الآسيوي دينامية كبيرة ونموا مطردا واستقرارا نسبيا، مما قد يشكل خطرا ويعمق حالة الركود والأزمة الهيكلية التي تعصف بكل من أميركا وأوروبا.

أما لماذا منطقة آسيا/الباسفيك فلأنها –في نظر المحلل السياسي العربي حسام مطر- تمثّل مركز الثقل العالمي ديموغرافياً، واقتصادياً، وسياسياً، إذ إنّها تحتضن أبرز القوى الصاعدة حالياً، أي كوريا الجنوبية واليابان والهند والصين. وهي تحوي أو تلامس قوى دولية تقلق الأميركيين مثل كوريا الشمالية وروسيا وباكستان. يضاف إلى ذلك كلّه تعدد الممرات البحرية الإستراتيجية أمنياً وتجارياً، وثروات بحر الصين الكامنة والمكتشفة.

ويرى مطر أن التراجع الأميركي وما يرافقه من تقليص للإنفاق العسكري وللالتزامات الأميركية وتركيزها تجاه المصالح الحيوية للأمن القومي الأميركي، سيؤدي إلى انتقال تدريجي لمحور الصراع الدولي من الشرق الأوسط باتجاه شرق آسيا/الباسيفيك، حيث المُنازع الأبرز لهيمنة الولايات المتحدة، أي الصين.

ويعدّ ذلك الانتقال الثالث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعدما تركز الصراع في النطاق الأوروبي خلال الحرب الباردة، قبل أن ينتقل إلى الشرق الأوسط، حيث تلقت الولايات المتحدة -ومعها إسرائيل- هزائم كارثية رغم بعض النجاحات التكتيكية، وذلك أبرز أسباب تراجعها الحالي.

السيناريو الأرجح هو الدخول في حقبة طويلة من الاصطفافات غير المحسومة التي تجمع القوى الإقليمية والعالمية على السواء، ولن يكون فيها فائزون كبار بل خاسرون كثر، والخاسرون هم أولئك الذين رهنوا أمنهم واقتصادهم ومصيرهم بالولايات المتحدة

وينظر البعض إلى الخطوة الأميركية باعتبارها هروبا إلى الأمام من تورطها العسكري في البلدين، بعد أن تكبدت فيهما خسائر بشرية ومادية فادحة على الرغم من محاولة أوباما الإيعاز بأن الحملتين العسكريتين تكللتا بالنجاح
.

ويحاول بعض المحللين إجراء مقارنة بين موقف أوباما اليوم بسعي الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إلى وضع إطار واسع لسياسته الخارجية فيما عُرف حينها باسم "مبدأ نيكسون". فقد رافق احتلال فيتنام تدهور عسكري مريع انتهى إلى هزيمة أميركية، وهي التي أفضت إلى التحول إلى خطط إستراتيجية بديلة كالمشاركة الإقليمية والحروب بالوكالة.

وبحسب الخبير الاقتصادي نبيل نايلي، فإن ما يخفيه إستراتيجيو الولايات المتحدة هو محاولة خنق الصين ومحاصرة نفوذها المتنامي، وذلك بالتغلغل داخل مجالها الحيوي، وتطويقها اقتصاديا وأمنيا بالأحلاف والمعاهدات، وعسكريا بالقواعد في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا.

غير أن نظرة الأميركيين إلى هذا التحول في الرؤية الإستراتيجية جاءت مغايرة. فقد أعرب رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال ريموند أودييرنو عن ارتياحه لتقليص أعداد القوات المسلحة إلى أقل من نصف مليون جندي، مؤكدا أنها مع ذلك ستظل قوة هامة وقادرة على القيام بواجباتها.

وقال -في تصريح لوكالة رويترز- إن بلاده رحلت عن العراق، وتقلص التزامها في أفغانستان، وهو ما يستدعي تخفيض حجم الجيش.

أما رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي فيقول إن أميركا تنظر لوجودها العسكري كمفتاح لضمان استقرار منطقة آسيا وحرية تدفق التجارة. ويقر ديمبسي مع ذلك بأن هذه النظرة تشكل مصدر توتر مع الصين التي ترى في تطوير قدرتها العسكرية مكافئا موضوعيا لبروزها قوة عالمية.

ومن داخل الولايات المتحدة نفسها يأتي صوت زبغنيو بريجنسكي –الخبير الإستراتيجي ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر- بأن "السيناريو الأرجح هو الدخول في حقبة طويلة من الاصطفافات غير المحسومة التي تجمع القوى الإقليمية والعالمية على السواء، ولن يكون فيها فائزون كبار بل خاسرون كثر". والخاسرون -في منظوره- هم أولئك الذين رهنوا أمنهم واقتصادهم ومصيرهم بالولايات المتحدة.

وبين تفاؤل أودييرنو وديمبسي وتشاؤم بريجنسكي، يبقى الرهان على الزمن في الحكم على إستراتيجية أميركا الجديدة، وما إذا كانت ستضمن لها نفوذا مستداما في المناطق الحساسة من العالم، بما يصون مصالحها ويردع أعداءها، أم أن الفشل سيكون المصير الذي ينتظرها، ولنا في التاريخ شواهد يمكن للأميركيين وحلفاؤهم أن يستمدوا منها الدروس والعبر.

المصدر : الجزيرة