المرزوقي: الحكومة تجني الثمار المرة لأفعال الدكتاتورية وأفعال الثورة (الجزيرة نت)

حاوره: محمد المختار

اعتبر الرئيس التونسي محمد المنصف المرزوقي أن السنة الحالية ستكون سنة المغرب العربي الكبير وأنه لا مستقبل للمنطقة دون الوحدة، وقال إن من شأن ذلك أن يساهم في حل قضية الصحراء التي اتفق الجميع اليوم على تركها جانبا ورفض أن تكون عقبة أمام الاتحاد.

كما دعا لدعم الثورة السورية "فنظام الأسد يجب أن يرحل" لكن الثورة يجب أن تبقى سلمية، رافضا أي تدخل خارجي ومعتبرا التدخل العربي أصيلا ومرغوبا به وليس أجنبيا.

وثمّن العلاقات التونسية الخليجية رافضا اتهام قطر بالتدخل في الشأن التونسي ومتمنيا تطور العلاقات مع السعودية.

وتشبث بالعلاقات مع أوروبا عوما وفرنسا خصوصا، واعتبر ما ينشر عن سوء تفاهم مع فرنسا أكاذيب وتلفيقات.

وداخليا حمّل المرزوقي أحزاب أقصى اليسار التونسي وبقايا نظام بن علي تسييس الاحتجاجات الاجتماعية وإخراجها عن سياقها المطلبي إلى مسار يغرق البلد سعيا لإغراق التحالف الحكومي الحالي.

ورفض التعامل بعنف مع المتظاهرين، ودافع عن خيارات الحكومة في تغليب الإقناع والحوار للتغلب على الإشكالات.

ودافع عن التحالف الحاكم، وقال إنه يقف على قاعدة تفاهمات صلبة أساسها العلاقات التاريخية بين أطرافه والتفاهمات المكتوبة والصلاحيات الموزعة، معتبرا إياه مدرسة جنبت التونسيين إشكالات الصراع العلماني الإسلامي.

السيد الرئيس، كنت دائما من المعولين على اتحاد المغرب العربي وقد دعوتم لتفعيله في خطابكم بمناسبة ذكرى الثورة، فهل لديكم تصور معين لتفعيل هذا الاتحاد وتحقيق الاندماج؟

طبعا، طبعا أنا دائما أقول إن مستقبل تونس ليس في تونس وإنما في الفضاء المغاربي، وأعتقد الشيء نفسه لباقي الأقطار، مستقبلنا في هذا الفضاء المغاربي الذي سيكون إن شاء الله الحجرة الأولى للفضاء العربي "اتحاد الشعوب العربية المستقلة" الذي أؤمن به وأحلم به، لكن في الوقت الحاضر عندنا إمكانية لإحياء هذا المارد المغاربي النائم بسرعة.

العقبة كانت الدكتاتوريات في تونس وفي ليبيا لكن الدكتاتوريات لا تتحد بل تتخاصم، وأوروبا لم تحقق وحدتها إلا بعد انهيار الدكتاتوريات، الآن الدكتاتوريات انهارت في ليبيا وتونس، وفي المغرب والجزائر هناك إسراع في الإصلاح وبالانتباه لمطالب الشعب، فالشعب بحاجة لهذا الفضاء المتحرك، وكلنا نعلم أن إحياء الاتحاد المغاربي يضيف 2% للناتج القومي لكل بلد.

شعوري الآن هو أننا دخلنا في منعرج تاريخي، وأن هذه السنة ستكون سنة المغرب الكبير عبر ما أسميه الحريات الخمس، هذه السنة يجب على النظم السياسية أن تعطي للمغاربيين حق التنقل بالهوية دون جواز سفر، وحق الاستقرار في كل بلد مغاربي، وحق العمل وحق الاستثمار، وأنا أطالب بحق الانتخابات البلدية، أي أن كل مغاربي ساكن في مدينة تونسية منذ خمس سنوات له الحق في المشاركة في الانتخابات البلدية مثلا، بانتظار أن نبدأ التفكير في السنوات الخمس المقبلة في آليات البرلمان المغاربي بصلاحيات حقيقية.

ويجب أن تكون عندنا رئاسة دورية ومشتركة للفضاء المغاربي طيلة السنوات الخمس، وهذه الأمور نحن قادرون عليها، وسنسعى إليها. على كل حال تونس ستلعب دورا محركا لهذه المسالة.

فالقضية الأساسية التي كانت تمنع الاتحاد المغاربي، والتي أماتت أو قتلت الاتحاد القديم هي قضية الصحراء الغربية، والآن بدأت الأفكار عند الأخوة الجزائريين والأخوة المغاربة تتجه نحو ترك الموضوع للأمم المتحدة.

وأعتقد أنه مهم للتصرف وضع الأمر بين ظفريين، حتى لا يكون موضوع الصحراء الغربية العقبة في بناء المغرب الكبير، علما بأننا لو بدأنا في بناء المغرب الكبير لتغيرت العقليات فهذا الملف ذاته سيجد حلا أسهل بكثير مما كنا نتصوره.

قضية الصحراء هي الفيتو الدائم ودور البلدين الكبيرين واضح في تفعيل أو عدم تفعيل الاتحاد، فما الحل الذي تقترحونه؟

في إطار المغرب العربي الكبير، يمكن أن نجد هذا الحل، يعني لو بدأت آليات الماكينة الاقتصادية تدور، لو حققنا هذه الحريات الخمس، فستتغير العقليات ورؤية الأمور، وشيئا فشيئا سننضج إلى أن نصل إلى حلول ترضي الطرفين.

هل توجد أزمة تونسية مع الجزائر؟

أبدا لا توجد أية أزمة مع الجزائر، والدليل على ذلك أن الأخ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة زار تونس وأبدى حسن استعداده. والدليل على ذلك أنني سأزور الجزائر في السادس من فبراير المقبل، هذه الأزمة اختلقتها بعض الصحف التي تريد أن تصطاد في الماء العكر وهي أزمة من اختلاقها التام.

قيل لي لماذا ذهبت إلى ليبيا قبل الجزائر؟ وكان من المفروض أن تذهب إلى الجزائر، فقلت لهم إن المغرب العربي بمثابة أصابع اليد الواحدة، ولا أحد يفضل إصبعا على أخرى، فكل الأصابع بنفس الأهمية، لكن الإصبع الليبي كانت في وقت من الأوقات تؤلم أكثر بحكم المشاكل الأمنية ومشاكل الحدود ومشاكل العمال إلى غير ذلك.

لذلك كان من الضروري أن نلتفت إلى الإصبع التي تؤلم أكثر حتى نعالج الوضع، والأمر ليست له علاقة بتفضيل طرف على طرف آخر، فكل هذه الأصابع ضرورية لليد الواحدة.

هل نتوقع زيارات قريبة للبلدان المغاربية؟

طبعا أنا سأزور بعد الجزائر المغرب وموريتانيا، علما بأن أملنا الكبير هو أن تنعقد هذه السنة قمة مغاربية، وأملنا الأكبر أن يشرفنا إخواننا في الجزائر والمغرب وموريتانيا بأن تكون تونس محل أول لقاء مغاربي ننتظر منه الكثير.

في إطار العلاقات العربية أعلنت قبل أيام رفضكم للتدخل الخارجي في سوريا. ورغم تصريحات خارجيتكم بقبول إرسال قوات عربية فإن الكثيرين يعتبرون هذا الخيار تمديدا للأزمة وتكرارا لدور المراقبين العرب، ما تقييمكم للمسألة؟

نحن بكل وضوح مع الشعب السوري وثورته، نحن بكل وضوح نعتبر أن نظام الأسد نظام استبدادي، وهو أصل المشكل ويجب أن يرحل.. نحن بكل وضوح مع ثورة سلمية ديمقراطية لا طائفية، نحن للأسف لاحظنا أن الثورة السورية تطيفت وتسلحت، ونعتبر أن المسؤولية الكبرى في قيام ذلك ملقاة على النظام الذي أجبر هذه الثورة على أن تتطيف وتتسلح وتتشرذم.

وأنا قلت لصديقي برهان غليون ولصديقي هيثم مناع في التنسيقية، إنه من الضروري أن يجلسا معا، وأن يتم تكوين جبهة تمثل الشعب السوري، كما أنه من الضروري أن تحافظ هذه الثورة على نهجها السلمي واللاطائفي، ونحن فعلا ضد كل تدخل أجنبي.

هل التدخل العربي يعتبر تدخلا أجنبيا؟

أنا أقول لا، فكل ما هو عربي في بلد عربي ليس أجنبيا ولا يمكن أن نحاسب من هذا المنظار. الآن تقييمنا لهذا التدخل وهل سيكون ناجعا أم لا، هذا محل نقاش. يجب أن يتم في الجامعة العربية، ويجب أن يكون مسؤولا، والهاجس أن تخرج سوريا من الحرب الأهلية التي دخلت فيها بأسرع وقت ممكن.

في بعض المظاهرات هنا رفع شعار "شعب تونس حر حر، لا أمريكا لا قطر". هل ترصدون تدخلا قطريا في الشأن التونسي؟

أنا أعتبر هذا الشعار سخيفا، لأن الأصدقاء القطريين أعربوا عن استعدادهم لمساعدتنا في حل أمورنا الاقتصادية والاجتماعية دون التدخل في شؤوننا الداخلية، وما هو التهديد الذي يمكن أن تشكله قطر على استقلال القرار الوطني؟

من يرفع هذا الشعار غير مسؤول وغير ممثل، وشعاراتهم ليست لها قيمة، بل نحن بالعكس سنعمق علاقاتنا مع قطر ومع دول الخليج وأشقائنا لأن مصلحة تونس تقتضي ذلك.

بل بالعكس، الآن تشعر أن اللحمة العربية بدأت تعود والشعور العروبي كذلك، الأمر الذي يجعل أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يقول إنه يشعر أنه مسؤول عما يجري في تونس، ويريد المساعدة، فمن الخور والجنون أن نرمي بهذه الإرادة الصادقة بسبب مخاوف ليس لها أي محل من الإعراب، ووضع قطر في داخل خانة التدخل الأجنبي مكان ليس له أدنى معنى.

هناك حديث متهيب عن العلاقات مع السعودية في ضوء لجوء بن علي إليها.

نحن نريد بكل وضوح أن تكون لنا علاقات طيبة مع كل أشقائنا ومن جملتهم الأشقاء السعوديون، لكن نحن نعتبر أن من حق الشعب التونسي ملاحقة الرئيس المخلوع بن علي الذي أجرم في حق الشعب التونسي بكيفية لم يسبق لها مثيل، فهذا الرجل مسؤول عن مئات القتلى وآلاف الجرحى، وهو الذي أمر بالقتل وإطلاق الرصاص.

هذا الرجل سرق أموالا رهيبة من الشعب التونسي، وهذا الرجل قتل ما لا يقل عن أربعين تونسيا تحت التعذيب، وفي عهده دنست المصاحف في السجون، ونحن نعتقد أنه مجرم بأتم معنى الكلمة ولا نفهم أن إخواننا السعوديين يؤوون مجرما، وبالتالي فإننا نطالب بتسليم هذا المجرم للعدالة التونسية، علما بأننا سنضمن له محاكمة عادلة ونزيهة وفقا لكل المعايير الدولية.

كقضية الصحراء، هل يمكن أن نضع قضية بن علي بين قوسين ونطور العلاقات الثنائية مع السعودية؟

نحن سنسعى من جهة إلى تطوير العلاقات الثنائية بما يخدم مصلحتنا ومصلحة السعودية، ومن جهة أخرى سنطالب بتسليم هذا الرجل، والقضية هي جرح غائر في نفس التونسيين، فكيف يمكن لرجل كهذا، وبعد كل الجرائم التي ارتكبها في حق كل الشعب التونسي، أن يعيش منعما وهانئا يتمتع بالمليارات التي سرقها من الشعب التونسي ونحن نعيش الفاقة والخصاصة؟!

تونس على شواطئ أوروبا ولها مصالح عظيمة معها. أين هي خطة تفعيل العلاقات المميزة مع الاتحاد الأوروبي؟

سيتواصل هذا لأن التاريخ والجغرافيا يفرضان ذلك، فتونس موجودة منذ القديم في تلاق بثلاثة مستويات، فنجد العلاقات الأورومتوسطية والعلاقات الإفريقية والعلاقات العربية، ومن الضروري أن تطور تونس علاقاتها المغاربية والعربية، وأن تطور علاقاتها الأوروبية والإفريقية، لأن مستقبل تونس يؤمن بهذه العلاقات.

في فرنسا أكثر من 600 ألف تونسي والجميع في تونس كانوا يتحدثون عن علاقات خاصة مع فرنسا أو مميزة، لكن يسجل بعضهم أن بعض تصريحاتكم لم ترض الفرنسيين؟

هذا غير صحيح، لأنني استقبلت سفير فرنسا مرتين واستقبلت وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، والخطاب واضح هو أننا نريد تطوير العلاقات مع فرنسا، لكن نريد أن نطورها في إطار الندية.

الآن تونس أصبحت -والحمد لله- دولة ديمقراطية ودولة مستقلة ونحن نريد فقط الندية، نحن لا نريد أن نكون زبائن لأحد، وفي الوقت نفسه لا نريد أن نكون أعداء لأحد وهذا الخطاب هو خطاب الأنفة الوطنية، وفي الآن ذاته خطاب المصلحة.

والفرنسيون تفهموا هذا جيدا، وما نسب إليَّ كله كلام جاءت به هذه الصحافة التي تقول بأن القطريين يتدخلون في تونس وأن الجزائريين غاضبون مني لأنني ذهبت إلى ليبيا.

العلاقات مع فرنسا ستكون علاقات إيجابية ومعمقة لكن في إطار الندية، فحتى الفرنسيين أنفسهم فهموا الأمر والدليل على ذلك أن كلمة "الندية" استعملت من طرف جوبيه لما زار تونس وصرح أنه يريد علاقات ندية، علما بأن الندية لا يمكن أن تكون بين تونس وفرنسا نظرا للحجم المختلف، ولكن ستكون بين المغرب الكبير وفرنسا وأوروبا.

ولهذا نحن نريد بناء هذا المغرب الكبير لأنه فعلا سيعطينا ندية، ليست ندية خطابية أو بلاغية وإنما ندية حقيقة.

كيف تقيمون عاما على الثورة في ضوء الاحتجاجات الحالية في تونس، وهل هي مسيَّسة أو عفوية، وبالتحديد هل توجهون الاتهام لأطراف سياسية معينة؟

قطعنا نصف الطريق لأن أهم شيء هو استقرار الوضع السياسي، لأنك تعرف أنه بدون الإطار السياسي لا يمكن لأي بلد أن يتقدم، ونحن في السنة الفارطة حققنا معجزة لأننا استطعنا أن ننتقل من النظام القديم إلى النظام الجديد دون مشاكل كبيرة.

قمنا بتنظيم انتخابات من طرف لجنة مستقلة قامت بعمل رائع. انتخاب المجلس التأسيسي تم كما تعرفون ولم تقع أي مجادلات في انتخابه، وتم توزيع السلطات بكيفية مقبولة، وتم بناء تحالف سياسي متين ومقبول، فاللهم لك الحمد كل هذا بتكاليف قليلة جدا.

هذه المشاكل تركة كبيرة وضخمة ناتجة عن آليتين، الآلية الأولى هي آلية الدكتاتورية التي كانت تنكر وجود هذه المشاكل وتغطي عليها، ثم هناك آثار الثورة، فطيلة سنة توقفت الآلية الاقتصادية.

لكن هناك أيضا استغلال وتسييس وتحريض من بعض الأطراف، إما عن اللامسؤولية وإما عن إرادة تخريب هذه الثورة، هذان العاملان موجودان. هناك ناس أعتبرهم غير مسؤولين مثل أقصى اليسار الذين يقولون الآن نحب الثورة، وهم يعلمون أن هذه الحكومة في شهرها الأول، هذا أعتبره لامسؤولية.

وهناك أطراف من أزلام النظام البائد من الذين يريدون إغراق هذا البلد لمجرد إغراق النهضة والتكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية.

فنحن الآن نجني فعليا الثمار المرة للدكتاتورية ولأفعال للثورة (...) لكننا سنكون على مستوى المسؤولية بفضل التجانس داخل الحكومة أولا، وبفضل وعي الشعب أيضا، وبفضل ما ننتظره من دعم من أصدقائنا وحلفائنا، وسننتصر.

هل يمكن أن تكونوا أكثر تحديدا فتسموا الأطراف التي تحملونها المسؤولية؟

في الوقت الحاضر لا أريد تسمية أي طرف، لأنني لا أريد مزيدا من صب الزيت على النار، لكن لدينا معلومات ثابتة أن هناك أحزابا تحرض على الحكومة، وهي تعلم أصدق العلم أن هذه الحكومة بدأت عملها منذ زمن قريب جدا وبالتالي لا تمكن محاسبتها، وتعلم أصدق العلم حجم التحديات المالية والمادية التي نتخبط فيها، وتعلم أصدق العلم أن الرجال والنساء الموجودين الآن في هذه الحكومة هم أناس مخلصون ونزيهون ويريدون الخير لهذا البلد، وعلى الرغم من علمهم بكل هذه المعطيات فهم يفتعلون هذه الاحتجاجات وهذا بالنسبة لي عمل غير نزيه.

ما الحلول التي ترونها كفيلة بحل هذه المشاكل ووقف الاحتجاجات؟

الحلول هي الإقناع والإقناع ثم الإقناع، فأنا مثلا البارحة التقيت ممثلين عن منطقة مكثر وتحاورت معهم، ذهبنا إلى القصرين وسيدي بوزيد وتالة، وهي مناطق فقيرة أيضا، ونحن دائما وأبدا نتحاور مع هذه الأطراف ونرفض الحل الأمني، لأننا لا نتصور أننا نحن أبناء الثورة يمكن أن نطلق النار على أبناء الثورة، هذا بالنسبة لنا أمر غير وارد.

ولهذا نحن مع الحوار وسنبقى نتحاور مع هؤلاء الناس إلى أقصى قدر ممكن، ولكن هناك نية مبيتة لبعض الأطراف لأنها تستغل هذا الوضع، نحن أبناء الثورة ولا يمكن أن نقمع الثورة.

إنهم يريدون وضعنا أمام تحديات كبرى مثل قطع الطرق أو منع الناس من الدخول إلى أماكن العمل، وهذه الحالات سنحاول التعامل معها بكل رصانة، وفي نفس الوقت سنحاول تطبيق القانون دون أن يجرنا ذلك لاستخدام العنف، وهي معادلة صعبة لكن عندي قناعة أننا سنصل إلى تصفية هذه الأوضاع.

ثم شيئا فشيئا سيرى المواطنون أن النتائج بدأت في الظهور على الساحة، والأغلبية الساحقة للتونسيين الآن ضد هذه الاعتصامات ويعلمون أن البلاد بدأت تسترجع عافيتها (...) ونحن نشعر بأن الرأي العام يقف خلفنا وفي آخر المطاف سنتجاوز هذه الفترة الصعبة إن شاء الله.

كيف تقيمون ما كتب أمس في بعض الصحف "البلاد فالتة والحكومة باهتة"؟

نحن الآن نعاني من مشكلة كبرى تتمثل في الصخب والضوضاء الموجود على صفحات الجرائد، التي لا تريد أن ترى 90% من البلاد، المشكلة الكبرى أن لدينا إعلاما أشهر النار على هذه السلطة، وهذا الإعلام هو جزء من المشكل وليس جزءا من الحل، والمفارقة أننا نحن أبناء حركة حقوق الإنسان وحرية التعبير نسمح لهم أن يسبونا ويشتمونا.

كيف تنظرون إلى التفاوت الجهوي، وهل من خطوات عملية للحد منه؟

هناك تفاوت جهوي كبير جدا وهذه هي الإشكالية الكبرى، وهي مسؤولية الحكومات التي تعاقبت إلى الآن، والحكومة التي نصبت منذ شهر أمام ملف تراكم لمدة خمسين سنة، وسنسعى بكل قوانا إلى تقليص التفاوت الجهوي، والمسألة بالنسبة لي مسألة كرامة وطنية ومسألة عدالة اجتماعية.

هل من المتوقع تطبيق تمييز إيجابي للتنمية الجهوية؟

طبعا نحن الآن نعتبر أن خروج تلك المناطق الداخلية من حالة التهميش ومن حالة عدم الاعتبار مسألة وطنية، فالثورة قامت بالأساس من تلك المناطق وإذا لم ننجح في إعادة الأمل لها فمعناها أن الثورة فشلت.

ما المشاريع الحكومية الجديدة في المناطق المهمشة، ومتى تنطلق؟

اليوم (الخميس) هناك مؤتمر وطني للتنمية، حيث كل القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية مجتمعة للتفكير في هذه المشاريع الكبرى، وهناك رصد لميزانية للبنية التحتية والمستشفيات والمشاريع الصغرى، وهناك استعداد كبير جدا من قبل الحكومة وبحث عن التمويلات من كل المصادر حتى تدور عجلة التنمية.

نحن لم ننتصب في المكان إلا منذ ثلاثين يوما، حتى بداية دوران العجلة لم يتركوه لنا وبدأنا نحاسب من أول يوم وجدنا فيه أنفسنا في السلطة.

ما تقييمكم ونظرتكم للائتلاف الثلاثي الحاكم (النهضة والمؤتمر والتكتل) اليوم؟

هذا التحالف مدرسة لأن بعض الأطراف في تونس كانت تريد أن ننخرط في ما نسميه حربا إيديولوجية، تقسم الأشخاص إلى طيبين وشريرين إلى بيض وسود إلى علمانيين يملكون الأمور الحداثية وإلى ظلاميين لا يملكون من ذلك شيئا.

(...) وبالتالي قلنا إن الخلافات العقائدية والفكرية التي كنا نتناقش حولها في الجامعة تترَك جانبا لنجتمع حول المشاكل السياسية، والحمد لله أنه كان هناك ما يكفي من العقلاء داخل العلمانيين والإسلاميين لتأسيس هذه الحكومة.

ومما ساهم في صلابة هذه الكتلة أنها ليست وليدة اليوم، فأنا أعرف الشيخ راشد الغنوشي منذ ثلاثين سنة، وقد قابلت حمادي الجبالي وهو محكوم عليه بالإعدام وفار منذ 1986، وأنا ومصطفى بن جعفر اشتغلنا في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وأسسنا معا المجلس الوطني للحريات وكنا أصدقاء وزملاء.

وبالتالي تكونت بيننا لحمة شخصية ونقاشات طالت لسنوات، وقرّبنا وجهات النظر من بعضنا البعض حول ما يجب أن تكون عليه تونس، من ذلك مدنية الدولة واحترام حقوق المرأة والحريات.

نحن الآن في نظام مجلسي لا برلماني ولا رئاسي، والمجلس الوطني التأسيسي هو الذي وزع الصلاحيات، وبالتالي فالرؤساء الثلاثة هم من يحكمون تونس في الوقت الحاضر، ونحن نلتقي مع بعض كل يوم ثلاثاء لنتناول العشاء ونتبادل الأفكار ونعدل ونقترح، وهذه الصيغة حسب رأيي غير موجودة في العالم العربي، وهي تدل على قدرة الطبقة السياسية في تونس على التفاهم.

والمعارضة لم تستثن، وكل آخر جمعة في الشهر يقع الاجتماع مع رؤساء أحزاب المعارضة للعشاء ولتبادل وجهات النظر دون أن نقرر أي شيء، فقط هو لقاء لتبادل وجهات النظر.

فمن جهة نجد هذه الرئاسة الثلاثية التي تقود البلد ومن جهة أخرى نجد التواصل مع زعماء المعارضة، وأيضا التواصل مع الشعب عبر الزيارات الميدانية، كل هذا يجعل حسب رأيي، أنه على الأقل وعلى المستوى السياسي كل الظروف مؤمنة لكي نصل ببلادنا إلى بر الأمان.

هل هناك تداخل في الصلاحيات مع رئيس الحكومة؟

كل الصلاحيات مضبوطة ومتفق عليها، ونحن نحاول دائما وأبدا أن نتناقش وأن نتقارب، أن نعدل مواقفنا، والحمد لله هذه تجربة رائدة في المجتمع العربي وأنا على قناعة أنها ستتواصل، وأنها ربما ستصبح مدرسة.

اعتبرتم أن لا إشكال في تسيير وتدبير الشأن الحكومي، فهل نعتبر أن هذا يمكن أن يمتد لكتابة الدستور؟

كتابة الدستور لن تكون فيها مشاكل، لأن كل الناس متفقة تقريبا على الهوية العربية الإسلامية، فلا أحد يريد الدولة الدينية أو دكتاتورية البروليتاريا.

كلنا متفقون على ما نسميه الدولة المدنية التي تحمي المحجبة وغير المحجبة، التي تحمي من يؤمن ومن لا يؤمن، والتي تدافع عن الدين الإسلامي أو تحميه وفي نفس الوقت عندها علاقات جيدة مع كبير أحبار اليهود الذي استقبلته ومع الأسقف الكاثوليكي الذي استقبلته كذلك.

مع هذه المسألة ليس لدينا مشاكل، وقضية الحريات الفردية والجماعية ليس فيها مشاكل، حتى قضية النظام السياسي الذي يفضل البعض أن يكون برلمانيا في حين يفضل آخرون أن يكون رئاسيا، أعتقد أنه سيقع الاتفاق على نظام مزدوج، نظام يكون فيه رئيس الجمهورية منتخبا من قبل الشعب وله مجموعة من الصلاحيات، ورئيس الحكومة منتخبا من قبل البرلمان وله مجموعة من الصلاحيات، وكل هذا سنتفق عليه.

يمكن أن يكون النظام شبيها بالنظام الرئاسي في فرنسا؟

تقريبا سيكون النظام مزدوجا، هناك نوع من الوفاق حول هذا، ولا أعتقد أنه ستكون هناك صعوبات، وربما الصعوبات الوحيدة التي سنجدها ستكون في القانون الانتخابي، لأن الأحزاب ستدخل في حسابات حزبية وهذا طبيعي، وستحاول الأحزاب القليلة التأثير في أن يكون القانون بالنسبية المطلقة، وربما الأحزاب الكبيرة ستحاول أن يكون القانون بالأغلبية، هنا أيضا سنصل إلى وفاق.

هل يمكن أن يتحول التحالف المؤقت الحالي إلى إستراتيجي؟

في الوقت الحاضر التحالف مبني على إدارة المرحلة الانتقالية، وأنا أقرّ ومصرّ على أن هذا التحالف يقع احترامه، حتى نحافظ على اللحمة وعلى التجانس، وحتى عندما تأتي المرحلة الانتخابية ويسعى فيها كل حزب من الأحزاب الثلاثة إلى أخذ مكان أكبر، وآنذاك يمكن أن يكون هناك تنافس وهذا شيء طبيعي، وفيما بعد وأنا على ثقة أيضا أن أي حزب.. لن يكون أي حزب قادرا بمفرده على حكم تونس، وأننا سنعود للتحالفات.

هل ترون أن التحالف بين إسلاميين وعروبيين يساريين مع ليبراليين اجتماعيين يمكن أن يقود البلاد دون إشكالات؟

هذا أمر ليس غريبا وقد تعلمته في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي كانت برلمانا مصغرا للمجتمع المدني في بلد الدكتاتورية، وعندما كنت على رأس الرابطة كان هناك عشرون شخصا يمثلون الهيئة المديرة، كان هناك شيوعيون وإسلاميون وديمقراطيون وليبراليون، وكذلك في الاتحاد العام التونسي للشغل تجد كل التيارات السياسية.. وقدرة التآلف هذه في المجتمع المدني قديمة وهي التي أهلت ورتبت الأجواء.

الثورة جاءت حربا على الفساد، والائتلاف الحكومي اعتبر ذلك ركنا في برنامجه، فما الذي تم في هذا الصدد؟

بن علي كان رمز الفساد، ولدينا مثل يقول "إذا كان رأس السمكة فاسدا فإن كل الجسم سيكون فاسدا"، والآن رأس السلطة ليس فاسدا لا في هذا المكان ولا في الحكومة.. كل الموجودين في رئاسة الجمهورية أو في الحكومة أو في الوزارات حاربوا الفساد ولا يمكن بأي صفة من الصفات غدا أن يكونوا فاسدين، ونحن نعلم أن كل العيون مسلطة علينا ونعلم أنه لا يمكن أن يكون هناك أمر يسعد أعداءنا قدر أن نسقط في تناقض مع أنفسنا.

لن يكون هناك فساد على رأس الدولة، هذا سيعطي مثلا، لكن هذا لا يكفي لأن الفساد الذي تركه بن علي موجود في كل المؤسسات، وعملية القضاء على الفساد لن تكون سهلة لأن العقليات فاسدة، وستكون العملية بطيئة وصعبة، لأن الفساد كالسرطان تغلغل في كل مكان.

نحن سنحارب الفساد أولا بمثال الحكومة وبحرية الصحافة، واستقلال القضاء، وسنحاربه بجعل المواطنين يرفضون الفساد ويدينونه، وسنحاربه أيضا بالشفافية، علما بأن الفساد لا يلغى من أي مجتمع، وأنا دائما أشبهه بعشب "النجم" وهذا عشب في حديقتي، ومهما حاولت اقتلاعه دائما يعود لأن التربة تهيئ له ذلك.. أين يوجد البشر والمال والسلطة دائما هناك فساد.

أنا أطالب بأن تكون هناك لنا لجنة وطنية لمراقبة الفساد، أعول على الصحافة لتكشف الفساد، أعول على قضاء مستقل ونزيه، هناك مجموعة من الآليات التي يمكن وضعها حتى يبقى مستوى الفساد مقبولا في المجتمع.

هل غيّر الرئيس شيئا في الحقوقي المرزوقي؟

لقد بقيت وفيا لمبادئي ولم أتخل عنها، أعلم أن الرأي العام في تونس مع عقوبة الإعدام لكن أنا تحملت مسؤولية إلغاء هذه العقوبة لـ122 شخصا وهو شيء لم يقع في السابق، لكن الآن هناك هجمات من قبل صحف، ومع ذلك أنا أقول سلبيات حرية الرأي والتعبير أحسن بكثير من أي نوع من القمع، وبالتالي أنا أقول إنني لن أتابع أي صحيفة مهما بلغ، لأنني أؤمن بقداسة حرية الرأي والتعبير.

أنا أيضا ساهر كل السهر على قضايا التعذيب، وأن لا يقع تعذيب في تونس، وأن تتم مراعاة حقوق المرأة وحقوق الطفل لأنه دائما وأبدا أنا أتابع وأجلس بصفة دورية مع منظمات حقوق الإنسان، حتى أستطيع أن أتابع، هذه الأمور.

أريد أن أكون وفيا لمبادئي، لما ذهبت إلى ليبيا طرحوا علي قضية تسليم البغدادي المحمودي، وأنه لا بد أن تسلمنا المحمودي، والبعض لمّح إلى أن العلاقات يمكن أن تتوتر بسبب عدم تسليم المحمودي.

لكنني قلت للإخوة الليبيين وبحضور المستشار مصطفى عبد الجليل إنني إنسان عشت دائما وأبدا مدافعا عن مبادئي، وبالتالي البغدادي المحمودي لن يسلم إلى ليبيا إلا عندما تتوفر كل الشروط الضرورية لمحاكمة عادلة ونزيهة واستقرار سياسي وما إلى ذلك.

وقلت إنني سأغلب تونس بمبادئي قبل مصالحي، ومن حسن الحظ أن المستشار عبد الجليل قال نحن في ليبيا سنطالب بالبغدادي المحمودي عندما تتوفر الشروط التي ذكرها الرئيس المرزوقي.

في كتابك "الرحلة" بدأت ببيت المعري المعروف:
وهوّن ما نلقى من البؤس أننا     على سفر، أو عابرون على جسر
اتركنا نحوِّر البيت ونقول أو عابرون إلى قصر.

أنا بصراحة إلى حد الآن ما زلت لم أكتشف هذا القصر، وأنا عشت في السجون والمنافي والبيوت الفقيرة والآن أعيش في هذا القصر، ولم يكن يوما للديكور أهمية في حياتي، فالمهم بالنسبة لي هو أن أبقى على قناعاتي وأن أقوم كل يوم بالعمل الذي علي أن أقوم به لإعانة الناس وإعانة البشر.. أما الديكور أيا كان فأنا لا أهتم به.

تحدثتم كثيرا عن المحدد اللغوي، وفي تونس كان هناك إشكال الثقافة الفرنكفونية وحماتها، وآخر مقال صدر لكم في الجزيرة نت كان في 6 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حول مستقبل اللغة العربية، فأين تلك التصورات اليوم في أعمال الرئيس؟

رغم أنني خريج الثقافة الفرنسية، وكتبت أربعة أو خمسة كتب بهذه اللغة، فأنا أعتقد أن أي أمة لا تتقدم إلا بلغتها، وآن الأوان لإعادة الاعتبار للغة العربية كلغة علم، كلغة تواصل، خاصة أنها القاسم المشترك بين 300 مليون شخص.

هل موضوع الهوية اليوم في تونس محسوم؟

بالنسبة لي موضوع الهوية محسوم، فالهوية مثل البيوت والأساس، والهوية العربية الإسلامية هي الأساس، لكني أعتبر نفسي عالمي التوجه، فأنا أكره الشوفينية والانغلاق. أنا أعتبر أن هويتي هي مساهمتي في الهوية البشرية والإنسانية، ولست داخلا في أي شيء له علاقة بالشوفينية وبالتعصب الديني أو العرقي أو اللغوي.

السيد الرئيس، أنتم قادمون من معارضة حدية، منتخبون بروح الثورة وتحمل نفسا جنوبيا قادما إلى الشمال، فهل تستصحبون هذه المعطيات في ممارسة السلطة؟

أنا لا أستطيع أن أتنكر لا لأصولي البدوية ولا لانتمائي للطبقة الفقيرة ولا لأنني جئت من منطقة مهمشة، وكل هذا سيبقى موجودا في داخلي، وفي نفس الوقت لست مدفوعا بأي رغبة ثأر من جهة، أنا أريد رد الاعتبار للمناطق التي جئت منها، أريد رد الاعتبار لتونس ككل وأريد رد الاعتبار للأمة.

هذه قضيتي، وفي عملية رد الاعتبار ليست هناك أي إرادة ثأر وإنما إرادة تعديل توازنات اختلت. يعني أنا كطبيب أعرف أن الصحة هي قدرة الجسم على إعادة التوازنات التي اختلت بعد المرض، بالنسبة لي السياسة وحقوق الإنسان هي إعادة هذه التوازنات التي اختلت بين المناطق، بين الجهات، بين الأمة العربية والأمم الأخرى. هناك انعدام توازن غير مقبول والآن يجب إعادة التوازن.

هناك مطالب بعدالة انتقالية تعيد الحقوق لأصحابها وتقتص من المجرمين، فأي النماذج تفضلون: الجنوب إفريقي أو الإسباني أو المغربي؟

أنا ذهبت إلى جنوب إفريقيا مرتين، وأنت تعرف أنني تلميذ غاندي ومانديلا، وذهبت إلى جنوب إفريقيا لدراسة قضية العدالة الانتقالية، وأنا من أنصارها، والعدالة الانتقالية تحدد جملة من الأشياء، منها أن جزءًا من المجرمين الكبار تجب محاسبتهم، لكن هناك إجراما متوسطا أو صغيرا يجب فيه على المجرمين أن يعترفوا بما اقترفوا وأن يطالبوا بالصلح ويعطى لهم.

لكن أيضا العدالة الانتقالية هي مراجعة القوانين، بحيث تكون الصبغة الغالبة للقوانين ليست الانتقام وإنما التعويض، وكذلك مراجعة آليات عمل العدالة نفسها وهي عملية إحداث تغيرات عميقة في هيكيلية وعقيلة القضاء، وأنا مع هذا التوجه.

متى تعودون للكتابة؟
أنا لدي مشكلتان، فحتى أعيش يجب أن أقرأ وأن أكتب، ولكنني الآن لا أقرأ ولا أكتب، فلا أقرأ إلا التقارير، ولدي ثلاثة كتب أو أربعة موجودة أحاول أن أقرأها، لكن يجب أن أنظم وقتي بكيفية تجعلني أعود للقراءة والكتابة.

المصدر : الجزيرة