سوريا وتركيا: تحوّل وغموض العلاقات
آخر تحديث: 2012/1/2 الساعة 13:32 (مكة المكرمة) الموافق 1433/2/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/1/2 الساعة 13:32 (مكة المكرمة) الموافق 1433/2/8 هـ

سوريا وتركيا: تحوّل وغموض العلاقات

أحداث سوريا أثرت بشكل كبير على علاقات دمشق بأنقرة (الفرنسية)

تتناول دراسة للدّكتور عقيل محفوض نشرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات العلاقات السوريّة التركيّة على ضوء التطوّرات التي يشهدها البلد الفترة الأخيرة، وفي وقتٍ تضاربت فيه المواقف بشأن التّعامل مع النّظام القائم بدمشق.

ويؤكّد الباحث بدراسته: سوريا وتركيا "نقطة تحوّل" أم "رهان تاريخيّ"؟ أنّ علاقة البلدين شهدت السّنوات الأخيرة تحوّلات نوعيّة، وكانت قريبة من وضع نموذج للتحوّلات التي تطرأ على التّفاعلات السياسيّة بمنطقة الشّرق الأوسط، والتي سرعان ما تتحوّل عن هذا السّقف وتنزل لمراتبَ أخرى وتصل حد القطيعة والتّغيير.

وتؤكّد الدّراسة أنّ سوريا وتركيا اللّتين اجتهدتا في بناء "تحالفهما" خلال العقد الماضي، تتّجهان اليوم للعمل على تقويضه، انطلاقًا من قيام تركيا بمراجعة نشطة لأولويّاتها وسياساتها، بكلّ ما يقتضيه ذلك من استعدادات وقابليّات للتّراجع والالتفاف على ما جرى لصالح رهانات جديدة.

ولا بدّ أن تقوم سوريا، من باب ردّ الفعل أو كتحصيل حاصل، بعملٍ مماثل. وهذا يعني أنّ العلاقات السوريّة التركيّة تقف أمام "نقطة تحوّل" حرجة و"رهانات تاريخيّة" نشطة.

وتضيف أنّ العلاقات السوريّة التركيّة تشكل مثالا أو حيّزًا نشطًا لديناميّتين متعاكستين، الأولى سياسات وفواعل "التّقارب" و"التداخل" و"الاعتماد المتبادل"، والثّانية سياسات وفواعل "الانفصال" و"التّخارج" و"التّنافر". وإنّ استمرار تلك الديناميات المتعاكسة يُبقي العلاقات عند "نقطة التحوّل" فلا تطوي صفحتها لأنّها لم تحقّق شروطها كاملة، ويمكن تجاوز هذه النّقطة أو تتجاوز بعض شروطها عندما يتوافق الطّرفان موضوعيًّا وسياسيًّا على "تجاهل" فواعل وعوامل التّنافر، وهذا يدخل فيما يسمَّى "رهانًا تاريخيًّا"، إلا أنّهما في حال اتّجها إلى تبنِّي خيارات وسياسات المنافسة والصّراع، فإنّ ذلك يضع العلاقات أمام احتمال التّراجع عمّا كانت عليه حتّى قبل اتّفاق أضنة (أكتوبر/ تشرين الأوّل 1998) وربّما تتطوّر الأمور إلى مجابهة مباشرة.

ويشير الباحث إلى أنّ الأزمة السوريّة تعدّ مدخلا للتّدقيق في طبيعة التحوّلات والرّهانات التي شهدتها العلاقات السوريّة التركيّة، وفي المحدّدات العامّة والتجلّيات، وفي المقولات التركيّة بشأن الأزمة، إلى جانب السّيناريوهات المحتملة (من منظور تركيا).

تركيا اتّخذت موقفًا مركّبا من الأحداث في سوريا، ينطوي على غموض قصديّ، ومستويات متعدّدة، بما يوحي بأنّ أنقرة تؤيّد استقرار البلاد
تركيا وأحداث سوريا
ويرى محفوض أنّ تركيا اتّخذت موقفًا مركّبًا من الأحداث في سوريا، ينطوي على غموضٍ قصديّ، ومستويات متعدّدة، بما يوحي بأنّ أنقرة تؤيّد استقرار البلاد، وليس "بقاء" أو "استمرار" النّظام السياسيّ، وقد يصبح "النظام السياسيّ" -من هذا المنظور– هو نفسه عقبة أمام "الاستقرار".

وهذا على نحو: "عيْنٌ هنا، وعينٌ هناك" لإظهار الدّعم والتّأييد للاستقرار ومسار الإصلاح، والحثّ عليهما، وفي الوقت نفسه الانفتاح على الخيارات والبدائل الأخرى، مثل المعارضة الرّاهنة أو أيّ مسارات وترتيبات محتملة، مع ممارسة ضغوط سياسيّة وإعلاميّة ونفسيّة وحتّى تَدَخُّلِيَّة على النّظام السياسيّ وعلى شرائح مجتمعيّة وأثنيّة ودينيّة في سوريا نفسها.

وفي هذا السّياق أخذت المواقف التركيّة صورة قريبة من "الغزل" مع أطراف المعارضة والنّاشطين في الدّاخل، وهو ما يفسّر الشّعارات والهتافات المؤيّدة لتركيا في مناطق محدّدة، مثل حمص وبانياس وتلكلخ وجسر الشّغور وحماة، حيث رفع علم تركيا وظهرت كتابات وصور مؤيّدة لأردوغان، ويطالب بعضُها بتدخّل تركيا في الأزمة السوريّة.

ويعدّ الباحث محاولة تركيا تشكيل خطط مرسومة لإقامة "الملاذات الآمنة"، ومخيّمات اللاجئين، مدخلا محتملا لتنسيق أعمال المعارضة، من أجل الدّخول إلى البلاد على غرار المسار الليبيّ.

هناك مخاوفَ جدّية من انعكاسات الأحداث في سوريا على الأمن القوميّ لتركيا، وخاصّةً في جهتي التكوين المذهبيّ الطائفيّ والتكوين العرقيّ
مخاوف وسيناريوهات
تطرّق الباحث إلى المخاوف التي ركّز عليها الخطاب السياسيّ في تركيا بالتأكيد على وجود مخاوفَ جدّية من انعكاسات الأحداث في سوريا على الأمن القوميّ لتركيا، وخاصّةً في جهتي التكوين المذهبيّ الطائفيّ والتكوين العرقيّ. وتخشى تركيا وقوع صدامات مذهبيّة أو عرقيّة أو ربّما حرب أهليّة، وقد تتطوّر الأمور إلى تقسيمٍ محتمل، وهو ما يمكن أن ينتقل إلى تركيا. وهذه سيناريوهات تتحدّث تركيا عنها، وعن مخاوفها بشأنها، ولكن سلوكها العمليّ أحيانا يوحي كأنّما هي "تشتغل" من أجل حصولها.

ويشير الباحث إلى وجود مسارات تطوّر محتملة بخصوص الموقف التركيّ في قراءته للوضع العامّ في سوريا وهي سيناريو أوّل يتعلّق بالإصلاح والذي يأتي بتغييرات تكون استجابةً لمطالب الشعب، وأهمّها: العفو السياسيّ، وإطلاق المعتقلين من كلّ الأطياف، وقوانين الأحزاب والإعلام والانتخاب ومكافحة الفساد، والإقرار بمبدأ تداول السّلطة. أمّا السّيناريو الثّاني فهو تهيئة نظام بديل وهو ينسجم مع احتمال تدهور الأوضاع في سوريا، أو "الفشل" في التوصّل إلى تسوية للأحداث الرّاهنة، بحيث يميل الأتراك للبحث عن بديل للنّظام القائم، أو العمل على تعزيز احتمالات محدّدة، مثل دعم تشكيل هيئات إطاريّة وتنفيذيّة وقياديّة للمعارضة.

ويرى الباحث أنّ هذا الأمر قائم حتّى مع تفضيل الأتراك النسبيّ للسيناريو الأوّل، إذ أنّ البراغماتيّة السياسيّة تجعلهم يسيرون في هذا المسار، لأغراضٍ أخرى، قد لا يكون منها "إسقاط" النظام السياسيّ، وإنّما "إضعافه" و"الهيمنة" عليه، أو الظّهور بمظهر الحريص عليه من خلال التدخّل لدى المعارضة من أجل التّسوية.

أمّا السّيناريو الثالث وهو الفوضى أو الحرب الأهليّة، وفي هذه الحالة فإنّ وقوع سوريا في الفوضى والحرب الأهليّة أو تحوّلها إلى "دولة فاشلة" ينطوي على مخاطرَ كثيرة لتركيا، ولدى الأتراك مدارك نشطة بوجود مخاطر عالية على أمن بلدهم واستقراره، بسبب قابليّته لتلقّي تبعات ذلك، إذ أنّ التكوين العرقيّ والدينيّ والمذهبيّ والثقافيّ متقارب، ولدى تركيا ديناميّات انقسام وصراع داخليّ بكيفيّةٍ قابلة للتفجّر، وخاصّةً في البعدين العرقيّ والمذهبيّ.

المصدر : الجزيرة

التعليقات