من احتجاجات الجزائر بداية العام المنصرم

محمد العربي سلحاني

أثار تأخر الحراك الشعبي في الجزائر عن مواكبة الثورات التي شهدها عدد من الدول العربية العديد من التساؤلات إزاء هذا الاستثناء في ظل توفر عوامل قيام الثورة ومسبباتها وفي مقدمتها الفساد وبطء التغيير والإصلاحات الموعودة.

وحاول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة استباق الحراك الشعبي بإعلانه في أبريل/نيسان 2011 عن جملة من الإصلاحات السياسية يتم بموجبها تعديل الدستور والقوانين المنظمة للانتخابات اعتبرت مكملة لإلغاء حالة الطوارئ المستمرة منذ 19 عاما، وذلك في محاولة لمواجهة الغليان الشعبي.

لكن بعض المراقبين اعتبروا أن الإصلاحات التي أعلن عنها لا تهدف إلى تغيير الوضع القائم بل إلى الحفاظ عليه مع مراعاة التوازنات الكبرى داخل السلطة.

حراك محدود
وشهدت الجزائر بداية العام الماضي موجة احتجاجات بكل من العاصمة وعنابة ومدن أخرى احتجاجا على غلاء المعيشة تحولت إلى صدامات مع الشرطة وخلفت خمسة قتلى ومئات الجرحى.

كما حاول ائتلاف يضم معارضين ومنظمات من المجتمع المدني تنظيم مسيرات مناهضة للحكومة بداية العام الماضي، لكنها باءت بالفشل بعد تصدي قوات الأمن لها، كما أنها لم تجد صدى واسعا لدى المواطنين.

وقد ذكر الأمين العام للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان خليل عبد المؤمن أن المعارضة لم تكن موحدة حيال الحراك بعد أن رفضت قوى كثيرة المشاركة في الاحتجاجات، مضيفا أن "الأمر حقيقة واقعية".

أما في مدينة تبسة بشرق الجزائر فقد أقدم شاب على حرق نفسه بعد أن رفض مسؤول محلي منحه وظيفة.

بومالة: إجراءات الحكومة تعتبر إهانة للشعب الجزائري
جهود الحكومة
تشهد الجزائر إضرابات في مختلف القطاعات الاقتصادية. وتأتي هذه الإضرابات للمطالبة برفع الأجور وتحسين أوضاع الموظفين الاجتماعية والمهنية ودمج العمال المتعاقدين في أماكن عملهم.

وتحاول الحكومة الجزائرية إخماد هذه الاحتجاجات بوعود اقتصادية تجد صعوبة في تنفيذها نظرا لتحكم البيروقراطية في دواليب الإدارة.

لكن الجزائر تحاول الاعتماد على قدرتها المالية في إخمادها. فقد وعدت الحكومة باستثمار أكثر من 280 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة في الوقت الذي تكدس فيه نحو 150 مليار دولار لتكون احتياطيا لها من النقد الأجنبي.

كما عملت الحكومة على مضاعفة المخصصات الاجتماعية وفتح فرص العمل وخفض أسعار بعض المواد ذات الاستهلاك الواسع.

واعتبر الصحفي فضيل بومالة في تصريح للجزيرة أن تلك الإجراءات تعتبر "إهانة للشعب الجزائري وبمثابة شراء لذمته"، مشيرا إلى أن تلك الاحتجاجات غير مرتبطة بخفض الأسعار.

وأضاف أنه أمام فشل النظام السياسي على مستوياته الاقتصادية والاجتماعية، أصبح "العنف الوسيلة الوحيدة للتعبير" لدى الجزائريين جراء الانغلاق السياسي.

وبدوره أكد الأمين العام لجبهة القوى الاشتراكية كريم طابو للجزيرة أن تلك الاحتجاجات تتجاوز البعد الاقتصادي والاجتماعي إلى آخر سياسي.

فوزي أوصديق: المواطن العادي يتخوف من تكرار الصدمة والتجربة
العشرية السوداء
يسود اعتقاد بأن الجزائريين يفضلون الاستقرار والهدوء حتى لو كانت أسباب الانتفاضة ضد النظام قائمة. ويجد ذلك تفسيرا له، في كون الجزائريين ما زالوا تحت صدمة تسعينيات القرن الماضي، لهذا فإنهم يتخوفون من شبح العودة إلى سنين الفوضى والاضطراب إن فتحوا على أنفسهم باب التغيير.

ويقول الخبير الجزائري في القانون الدستوري فوزي أوصديق في تصريح صحفي "الشعب الجزائري عانى خلال سنوات الأزمة مما جعل المواطن العادي يتخوف من تكرار الصدمة والتجربة رغم انشغالاته الكثيرة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، فهو يفضل الهدوء الاجتماعي والسلم والاستقرار للبلاد على مسايرة الثورات".

وأضاف أنه "لا يغيب عن أذهاننا أن الجزائر شهدت ربيعها العربي في سنة 1988، فالأحداث العربية الحالية هي قياس مع الفارق باختلاف الزمان والمكان، فسنين الجمر والتقتيل لا يمكن أن تمحى بمرور سنين معدودات".

بوتفليقة: ليس على الجزائر العودة إلى تجارب قامت بها منذ عقود
الانتخابات التشريعية
وأكد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الشهر الماضي أن بلاده مقبلة على استحقاقات سياسية مهمة تفتح الباب على آفاق تسودها ديمقراطية "متكاملة العناصر"، وتعهد بإجراء انتخابات برلمانية نزيهة بإشراف قضائي العام المقبل.

ورد بوتفليقة على المتسائلين عن وضع الجزائر الهادئ مقارنة بالثورات التي تجتاح بعض الدول العربية قائلا "تعالت الأصوات هنا وهناك تتساءل عن الاستثنائية الجزائرية، هل الجزائر من هذا العالم المحيط بها أو هي خارج هذا العالم المحيط بها؟".

وقال إن الجزائر من هذا العالم تتأثر به وتؤثر فيه، "ولكن ليس على الجزائر أن تعود إلى تجارب قامت بها منذ عقود وسنين"، والشعب الجزائري حريص على استقلاله وسيادته، فهو نال حريته غِلابا وكفاحا وبالتضحيات الجسام، وهذا الاستقلال "ما جئنا للمساومة به، ولا لنا الحق في المساومة به".

وتراهن الحكومة على نجاح الانتخابات التشريعية التي تجري الربيع المقبل بحضور مراقبين دوليين للتسويق لنجاح الإصلاحات.

ويعتقد بعض المحللين أن الإصلاحات لا تمس جوهر النظام ولا امتيازات أقطابه وهي حلول ترقيعية يحاول النظام من خلالها إعادة إنتاج نفسه.

المصدر : الجزيرة