معاناة الأطفال بقرية "جسر الزرقاء" (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-أم الفحم

توقفت دواليب التاريخ عقودا عند قرية "جسر الزرقاء" بالداخل الفلسطيني، لتبقى رمزا يجسد النكبة وذاكرة المكان باعتبارها البلدة الفلسطينية الوحيدة التي بقيت على شاطئ البحر.

ويسكن القرية نحو13 ألف نسمة بـ1800 وحدة سكنية ممتدة على مساحة 1000 دونم، إضافة إلى 500 دونم مصنفة محمية طبيعية، رغم أنها بملكية خاصة للسكان، حيث تحظر سلطات التنظيم والبناء الإسرائيلية استعمالها لقربها من الشاطئ.

وبسبب انعدام أماكن البناء، اضطرت مئات الأزواج الشابة إلى هجرة القرية التي هي بحاجة فورية لـ800 دونم للسكن، كونها تعاني كثافة سكانية هي العليا بالداخل الفلسطيني.

وتنتشر البطالة في صفوف السكان لتبلغ نحو 35%، ليعمق الفقر معاناتهم التي انعكست سلبا على مسيرة التربية والتعليم، فنسبة النجاح بامتحانات التوجيهي تصل 20% ناهيك عن اتساع ظاهرة التسرب من المدارس، لتدرج القرية بأسفل السلم الاقتصادي الاجتماعي.

مسار الجدار العازل قرب الأحياء السكنية لجسر الزرقاء لفصلها عن بلدة قيساريا (الجزيرة نت)
التهميش والعزل
وتوثق بلدة قيساريا -التي تبعد عشرات الأمتار عن القرية- سياسة التمييز العنصري والتفرقة والإقصاء والتهميش والعزل، ويسكنها القيادات والنخب السياسية والاقتصادية والعسكرية ومتخذو القرار باسرائيل، وعلى رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

ورسخت طبيعة المكان الفوارق بين بلدة قيساريا التي تعد جنة على الأرض وقرية جسر الزرقاء التي تعبر عن جحيم اللجوء الفلسطيني، حيث لم ينجح الجدار الترابي الفاصل عن حجب المعاناة وإخفاء الصورة القاتمة للسياسات الإسرائيلية.

وتروي قرية الصيادين قصتها على لسان رئيسها الحاج خليل جربان، حيث بقيت صامدة رغم النكبة ومعاناة السكان بمجمل التناقضات والتحديات، فأكواخ الصفيح زادت بدل أن تتحول  لقرية سياحية وميناء أسوة بالمناطق الساحلية المتاخمة للبلدات اليهودية.

وقال جربان للجزيرة نت "الحياة بالقرية ما زالت بدائية ولم تتطور بسبب عنصرية إسرائيل التي ترى بالسكان خطرا إستراتيجيا وتتطلع لاجتثاثهم وترحيلهم عن المكان، لكن صمودهم أفشل هذه المخططات التي تسعى لسلب الأراضي وتحويلها لمحمية طبيعية".

ويشكو جربان كغيره من الصيادين إهمال الشاطئ ومنطقة الميناء، مما حدا بعشرات العائلات التي كانت تعيش من الصيد لهجر الميناء بحثا عن العيش الكريم، مؤكدا أن وعود الحكومات المتعاقبة بتطوير المنطقة وإقامة قرية سياحية ما هي إلا ذر للرمال بالعيون.

وأضاف الحاج خليل جربان أن اليهود سعوا منذ سنوات بالإغراء المادي والترغيب تارة وبالتحايل تارة أخرى لإقناع السكان بخفض وإسكات الأذان بمساجد القرية بزعم الضجيج والإزعاج، إلا أنهم أخفقوا ليأتي بنيامين نتنياهو داعما لقانون حظر الأذان.

وأوضح أن نتنياهو يمتنع ومنذ كان وزيرا من تفقد القرية وزيارتها للاطلاع على واقعها المرير والاستماع لمطالب جيرانه التي تتلخص بالمسكن وفرص العمل والخدمات وتطوير المكان.

ميناء القرية أغرق بالنفايات الصلبة وبالصخور للحد من حركة السفن وقوارب الصيد قبالة القرية (الجزيرة نت)
الهجرة القسرية
ويرى رئيس اللجنة الشعبية بجسر الزرقاء سامي العلي أن النكبة الفلسطينية ما زالت متواصلة وتأخذ مناحي متعددة، وإن تغيرت بعض الملامح يبقى مضمون وجوهر القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وسياسات التضييق والتهميش والإقصاء التي اعتمدتها إسرائيل تجاه القرية ينذر بانفجار الأوضاع.

وعزا العلي هذه السياسات لتطلع المؤسسة الإسرائيلية لاقتلاع سكان القرية وإرغامهم على الهجرة القسرية، حيث تؤمن بأنه ارتكب خطأ فادح أثناء النكبة بإبقاء السكان والقرية التي تعد موقعا إستراتيجيا وحيويا.

وبين في حديثه للجزيرة نت أن حصار القرية وخنقها ترك ترسبات سلبية وتداعيات، وينظر للقرية على أنها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار، ومنعا لذلك منحت إسرائيل السكان فتات الخدمات والحقوق.

ولفت سامي العلي إلى أن منح الخدمات الحكومية لا يرتقي لإحداث ثورة تطويرية وعمرانية، فواقع القرية أشبه بمخيم لاجئين بينما في البلدة المجاورة قيساريا مجال للمقارنة وإن تم الفصل بين البلدين بجدار.

المصدر : الجزيرة