سبعة أشهر من المظاهرات والأمن السوري يقابلها بزيادة وتيرة القمع والقتل (الجزيرة)

تدخل الثورة السورية شهرها السابع والصورة لم تتغير، مظاهرات تخرج بشكل شبه يومي تواجه بقمع القوات الأمنية التي تتبعها بعمليات دهم واعتقال، وفي نهاية اليوم يتم إحصاء عدد القتلى الذين بلغوا حتى اليوم أكثر من 2700 قتيل بحسب الأمم المتحدة.

لكن هذه الصورة تخفي وراءها اتهامات حكومية "لمجموعات متطرفة أصولية مسلحة" تستهدف عناصر حفظ الأمن والنظام وتهاجم المقرات الحكومية، مدللة على وجود هذه الجماعات بقتل مئات العسكريين، وترفقه بسؤال من قتل هؤلاء؟

الرواية الرسمية لا تتوقف هنا، بل يذهب وزير الخارجية وليد المعلم إلى اتهام الغرب بزرع الفوضى بغرض تفتيت البلاد، واعتبر أن المظاهرات المعادية للنظام أصبحت ذريعة للتدخلات الأجنبية، مضيفا أن الحكومات الأجنبية تسعى إلى ضرب التعايش بين مختلف الطوائف.

لترد المعارضة بأن هؤلاء العسكريين منشقون عن الجيش، رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين "السلميين" فأعدمهم الأمن والشبيحة.

روايتان متناقضتان لم ولن تجتمعا، لكن هناك مؤشرات تطفو على السطح تفيد بأن هناك مظاهر تسلح بين المتظاهرين "للدفاع عن أعراضهم وأرزاقهم وحماية أولادهم من انتهاكات الشبيحة والأمن".

صورة بثتها وكالة سانا لتشييع ضابط قيل
إنه قتل في مواجهات مع المسلحين (رويترز)
محاذير العسكرة
ولكن عسكرة الثورة السورية دونها محاذير كثيرة، ليس أقلها -كما يقول بلال صعب الخبير بمعهد مونتيري للدراسات الدولية في كاليفورنيا- الانزلاق نحو حرب أهلية.

وهذا أيضا ما حذر منه السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد، من أن النظام السوري يجازف بإدخال البلاد في صراع طائفي، بسبب الحملة الأمنية والعسكرية التي يواجه بها المتظاهرين.

ورغم صعوبة التأكد من المعلومات حول التسلح بعد طرد السلطات لوسائل الإعلام الأجنبية، فإن عددا من شهود العيان والناشطين والمحللين رجحوا أن الثورة السورية باتت أكثر عنفا بعد انشقاق مئات الضباط والعناصر، وتشكيلهم كيانا عسكريا أسموه "الجيش السوري الحر"، ناهيك عن تهريب الأسلحة من  لبنان وتركيا والعراق، حيث ما انفكت دمشق تتحدث عن ضبطها لشاحنات وسيارات ممتلئة بالأسلحة قادمة من وراء الحدود.

إضافة إلى كل هذا تبرز عودة بعض المسلحين السوريين -الذين دخلوا إلى العراق لشن هجمات ضد القوات الأميركية- إلى بلادهم للوقوف مع المتظاهرين ضد النظام.

وفي السياق، قال عضو لجنة الدفاع والأمن في البرلمان العراقي قاسم الأعرجي إن المسلحين السوريين يعودون إلى بلادهم "للمساعدة في إسقاط نظام الأسد"، وأضاف أن العراق فرح بهذا لأنه ارتاح "من شرهم".

ورغم أن المظاهرات هزت أركان واحد من أكثر الأنظمة مركزية في الشرق الأوسط، لكن المعارضة لم تستطع تحقيق أي إنجاز على مدى أشهر الاحتجاجات بسبب تباينها وتفككها وغياب قيادة موحدة لها، ما أدى إلى غياب دعوة مركزية للتسلح.

لكن المطالبات المتكررة بحماية دولية للمدنيين وتكريس أحد أيام الجمع لهذا المطلب، دفع المراقبين إلى القول إن السوريين بدؤوا يشككون بقدرة سلمية ثورتهم على تحقيق هدفها، خاصة إذا تمت مقارنتها بالثورة الليبية المسلحة ومساعدة الناتو للثوار على الإطاحة بالعقيد الليبي معمر القذافي.

وكانت صحيفة الغارديان البريطانية عزت عجز "المتظاهرين المدنيين العُزَّل" عن إسقاط الرئيس بشار الأسد إلى عدة أسباب، أبرزها غياب معارضة موحدة ذات قيادة جيدة وأهداف واضحة، وأساليب النظام الوحشية وغير المتوقعة، وحالات تعذيب واغتصاب وإعدامات سريعة كثيرة، فضلا عن تردد القادة العرب والغربيين في تعاملهم مع الأزمة السورية.

لكن سوريا تختلف عن ليبيا بحسب مجلة فورين بوليسي الأميركية، التي لخصت جوهر المشكلة في سوريا بأنها تكمن في تركيبة السلطة التي تهيمن عليها الأقلية من الطائفة العلوية، "فتضامنها يجعل ولاء الأجهزة العسكرية والأمنية الداخلية يكاد يكون منيعا، مما يُمكِّن الأسد من ممارسة قمع يفوق قدرة معظم الطغاة".

السكان يتسلحون للدفاع عن أنفسهم
ضد ممارسات الأمن والشبيحة (الفرنسية)

الدفاع عن النفس
في هذا الإطار، يقول ناشط حقوقي رفض الكشف عن اسمه إن النظام يقتل الناس يوميا، وبعض السكان تيقنوا بأن المظاهرات السلمية لن تفضي إلى نتيجة "حتى لو استمرت عشر سنوات"، مشيرا إلى أن المسلحين من المدنيين ومنشقي الجيش يقاتلون جنبا إلى جنب ضد قوات النظام.

وتتركز هذه "المقاومة المسلحة" -بحسب الناشط- في محافظة حمص (وسط) التي شهدت أكبر المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام.

من جانبه يقول الناشط المعارض في حمص محمد صالح إن عدد التقارير يتزايد حول هجمات على القوات المسلحة وأقسام الشرطة، كاشفا عن أنه شاهد إطلاق نار كثيف على سيارة للشرطة وحافلة تابعة للأمن محترقة في المدينة الأسبوع الماضي، كما هاجم مسلحون مجموعة من الجيش الأسبوع الماضي ودمروا ست ناقلات جند مدرعة في حمص أيضا.

هذا التحول التدريجي "للعسكرة" تؤكده المسؤولة السابقة في الخارجية الأميركية والخبيرة في شؤون الشرق الأوسط فالي نصر، وتضيف أن الهجمات الدموية لقوات الأمن في ازدياد مضطرد وهذا ما يضع ضغطا على السكان للدفاع عن أسرهم وقراهم، "ورغم أن الثورة كسبت معنويا ضد النظام لكنها على الأرض لا تستطيع حماية نفسها".

في المقابل يصر منظمو المظاهرات على التمسك بسلميتها، ويشددون على أن نظام الأسد سيواجه أي عنف من المتظاهرين بحملة شرسة للقضاء عليهم.

ولهذا أكدت لجان التنسيق المحلية رفضها "لعسكرة الثورة" والدعوة للتدخل العسكري الأجنبي، "رغم تفهمها لدوافع هذه الطلبات" إلا أن التسلح سيؤدي إلى تآكل التفوق الأخلاقي الذي تميزت به الثورة منذ انطلاقتها منتصف مارس/آذار.

في مقابل هذا أيدت الهيئة العامة للثورة السورية فرض منطقة حظر جوي لحماية المدنيين، وتدخلا أجنبيا يتخذ شكل بعثة لحفظ السلام في مواجهة النظام الذي يستخدم القوات المسلحة "لتطبيق نظام قمع وإبادة جماعية".

بدوره دعا اتحاد تنسيقيات الثورة السورية دول ومؤسسات المجتمع الدولي إلى دعم الجيش السوري الحر بالتدريب والعتاد، لمساعدته على تشكيل نواة الجيش الوطني بحيث يتبع للقيادة السياسية التي



ستخلف نظام الأسد.

لافتة ترفع شعارا سلميا في تظاهرات دوما بريف دمشق (الجزيرة)

التخبط الدولي
هذا التخبط الداخلي رافقه تردد غربي، فواشنطن -المتابعة بشكل دقيق لمسار الثورة- حذرت من أن ممارسات النظام السوري القمعية ستدفع "بالحراك السلمي" إلى مزيد من العنف.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر إن الغالبية العظمى من المعارضة السورية تظهر مقاومة سلمية بطريقة استثنائية في وجه نظام دموي، ويطالبون بحقوقهم بمظاهرات سلمية غير مسلحة.

لكن هذه الإشادة الأميركية يبدو أنها تبقى في إطار الكلام تدعمها عقوبات أحادية أو أوروبية أو أممية، لأن واشنطن وحلفاءها لم تبد أي رغبة في احتمال إقحام الناتو في نفق بلد عربي جديد ممتلئ بالتعقيدات الطائفية والسياسية، إضافة إلى أن الغرب ما زال متوجسا من أن الإطاحة بالأسد -الذي يقدم نفسه على أنه الوحيد القادر على إحلال الأمن- قد تنشر الفوضى في المنطقة، وخاصة تأثيراته على إسرائيل.

هذا الوضع المعقد في سوريا تلخصه فالي نصر الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط بالقول إن السوريين باتوا أكثر اقتناعا بأن الانتقال السلمي للسلطة بعيد المنال، وتوضح أن النظام السوري إما سيبقى ويمارس وحشية هائلة أو أن الوضع سينزلق إلى الفوضى والعنف، وفي كلتا الحالتين فإن الشعب سيتسلح.

المصدر : وكالات