الاحتجاجات ضد صالح تكثفت الأشهر الأخيرة (رويترز-أرشيف)

من مجرد ضابطِ صف لم يُصب إلا قسطا متواضعا من التعليم، استطاع علي عبد الله صالح أن يُصبح في السادسة والثلاثين من عمره رئيسًا لليمن الشمالي، ثم في 1990 رئيسًا لليمن بشطريه، ليمضي 33 عاما في الحكم على طريقة "الرقص على رؤوس الثعابين" كما شبه هو الطريقة التي يجب أن يدار بها البلد، وإن كانت طريقة تواجه امتحانا حاسما الآن في وجه احتجاجات حاشدة استلهمت الثورات في بلدان عربية.

وطيلة ثلاثة عقود حكم صالح دولة فقيرة، عرفت حربا أهلية وانتفاضات وحملات على من يوصفون بالمتشددين، وصراعات قبيلة، وأخيرا حالة من الفقر المدقع جعلت ثلثي سكانها يعيشون على دولارين في اليوم.

يقول معارضوه إنه فشل طيلة سنوات حكمه في  توفير الاحتياجات الأساسية للشعب، في يمنٍ تتراجع ثروته النفطية وتنضب مياهه، ويبقى فقيرا على الرغم من بدئه في تصدير الغاز الطبيعي المسال في 2009.

الدعم الخارجي
واستطاع صالح رغم الانتقادات المحافظة على دعم الغرب والدول العربية، حتى لو أغضب -لبعض  الوقت- بعضا من هذه الدول العربية، كما الشأن مع المملكة العربية السعودية والكويت بعد حرب الخليج الثانية، لكنه غضبٌ عرف كيف يمتصه بسرعة.

وزاد دعم الولايات المتحدة لصالح بعد هجمات 2001، حين تنبهت إلى أن اليمن مصدرٌ لمسلحي القاعدة، وهو تنظيمٌ تعاونَ الرئيس اليمني في محاربته، لكنه استطاع تنظيم صفوفه ثانية في 2007، ووحّد جناحيه في السعودية واليمن، لتزداد هجماته جرأة على الأهداف الأميركية والسعودية وعلى



السياح.

صالح شبه حكم اليمن كمن يرقص على
رؤوس الثعابين (الأوروبية-أرشيف)
احتجاجات تتزايد
لكن بالموازاة مع هذا الدعم، يواجه صالح منذ فبراير/شباط الماضي احتجاجات حاشدة ما تني تتكثف، وبلغت ذروتها بوقوع اشتباكات بين قبيلة حاشد (التي ينحدر منها) وقوات موالية له في صنعاء ومدن أخرى.

وكان أبلغ مؤشر على الخطر الذي يواجهه محاولة اغتيال بقنبلة استهدفته في يونيو/حزيران الماضي نجا منها، لكنها ألحقت به إصابة بالغة اضطرته إلى العلاج في الرياض.

ومع ذلك عاد صالح إلى اليمن الجمعة، في خطوة مفاجئة يراها محللون تكرس احتمالات الحرب الأهلية.

لكن الولايات المتحدة أبدت صراحة مخاوفها بشأن الخليفة المحتمل لصالح حليفها في الحرب ضد القاعدة.

مرحلة جديدة
ورغم أن حكم صالح بدا السنوات الأخيرة غير قابل للزعزعة -حين ضغط أنصاره من أجل تعديلات تسمح بترشحه لولايات رئاسية مفتوحة، وحين سرت تكهنات بأنه يعدّ ابنه لخلافته- فإن



ثورات عربية في تونس ومصر جاءت لتثبت أن هذا الحال لن يدوم.

فقد بدأ صالح يعرض تنازلات شفهية، فقال بداية إنه لن يرشح نفسه لولاية جديدة في 2013، ونفى أن يكون يحضّر ابنه لخلافته، ثم عرض استفتاء على دستور جديد، والانتقال إلى "نظام برلماني" ديمقراطي.

ثم جاءت هزة أخرى في مارس/آذار الماضي بعد مقتل 52 شخصا معظمهم سقط برصاص قناصة، مما دفع ضباطا كبارا وشيوخ قبائل ودبلوماسيين ووزراء إلى الانضمام إلى المحتجين، وكان كثير منهم من "الأحمر" و"سنحان"، وهما قبيلتان تربط صالح بهما صلة قرابة، وكان يعيّن أفرادهما في مناصب أمنية وحكومية مهمة.

بعد كل هذه الأحداث، كاد صالح في ثلاث مرات يوقع اتفاقا لنقل السلطة بوساطة خليجية لكنه تراجع في كل مرة في اللحظة الأخيرة، ليطول أمد المواجهة.

ويواجه صالح إلى جانب المطالبين برحيله تمرد الحوثيين في الشمال، وحراكا يريد الانفصال بالجنوب الذي يشعر أبناؤه بالتهميش.

أمام هذه التحديات ردّت الرياض وواشنطن وحلفاء آخرون بزيادة الدعم المالي لتعزيز حكم صالح، الذي يملك إلى جانب عزيمته القوية كثيرا من الكاريزما، ولم يعدم في أوقات كثيرة شعبية بين أبناء مجتمع يفهم جيدا تفاصيله.


المصدر : رويترز