ياشينسكي مع صورة لشجرة أسرته التي تضم جده ووالد زوجته وأبناءه (الجزيرة نت) 

محمد العلي-بياوستوك

تحرص بولندا على مكانة الإمام المعمر ستيفان (مصطفى) ياشينسكي وتعامله كإحدى تحفها الإنسانية الحية الثمينة، فمنذ أكثر من عشرة أعوام يواظب المتعاقبون على منصب الرئاسة فيها على تكريمه بالأوسمة والمنح.

وقبل ثمانية أشهر احتفى الرئيس الحالي برونيسواف كوموروفسكي ببلوغ ياشينسكي مائة عام ومنحه وساما.

احتفاء بولندا المتواصل بالإمام المعمر لا يرتبط بكونه الإمام الأكبر سنا بين أفراد أقليتها المسلمة فحسب, بل لكونه -على الأرجح- الشاهد الحي على الوقائع الأكثر حساسية وخطورة في تاريخ هذا البلد الواقع في وسط أوروبا.

إلى سيمفاروبل
كان ياشينسكي المنتمي إلى الأقلية التترية البولندية المسلمة, قد هرب مع ذويه من الألمان بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918) إلى مدينة سيمفاروبل الواقعة في شبه جزيرة القرم.

ياشينسكي عمل موظفا بالمواصلات في مدينة فيلنيوس بليتوانيا عام 1928 (الجزيرة نت)
ويعود اختيار ذوي ياشينسكي لتلك المنطقة التي باتت جزءا من أوكرانيا، إلى أن أحد أقارب أبيه كان يعمل فيها وزيرا للشؤون العسكرية.

وبعد انتقال إلى قازان -حيث مهد التتار المسلمين وعاصمتهم ضمن روسيا- وإقامة فيها لسبعة أعوام شهدت وفاة الأب, عادت الأسرة بلا عائلها إلى جوار قرية بوهينيكه في بولندا، بعدما كان ياشينسكي قد تعلم في المدرسة التترية الروسية.

وبعد تخرجه في المدرسة عام 1928 انتقل إلى فيلنيوس، وهي الآن عاصمة جمهورية ليتوانيا الواقعة على بحر البلطيق، وكانت وقتها جزءا من بولندا.

وفي فيلنيوس حيث كانت تعيش شقيقته وزوجها، عمل ستيفان موظفا في شركة المواصلات العامة، وواصل دراسته المسائية للحصول على الشهادة الثانوية.

يقول الإمام إنه دخل الجيش البولندي عام 1933، وخدم في الفرقة المدفعية الأولى في مدينة تورون، ثم انتقل إلى مدرسة المدرعات ثم عاد ثانية إلى فيلنيوس حيث عمل في شركة حافلات وحصل على البكالوريا العليا.

في عام 1937 استدعي ياشينسكي لخدمة الاحتياط فخدم كقائد كتيبة، حسب ما قال. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 إثر اجتياح جيوش أدولف هتلر النازية الألمانية لأراضي بولندا، اعتقل من قبل الجيش السوفياتي وجرد من سلاحه، حيث اقتيد مع 15 ألف مدني وعسكري إلى دير للرهبان يقع في منطقة نهر الفولغا، وبقي هناك ما بين الأول من سبتمبر/أيلول و29 ديسمبر/كانون الأول 1939.

وعن مكان وجوده في الفترة التي أعدم فيها السوفياتيون -بأمر من جوزيف ستالين- 22 ألفا من النخبة المدنية والعسكرية البولندية في ما بات يعرف بمجزرة كاتين, يقول ياشينسكي إنه استدعي ذات يوم في السجن السوفياتي وسئل عن رتبته فأخفى أنه كان ضابطا, دون أن يعرف أن المجزرة قائمة فنجا بجلده.

ياشينسكي كان قائد كتيبة بالجيش البولندي في ثلاثينيات القرن الماضي (الجزيرة نت)

لكنه يقول إنه عاد إلى بولندا بعد إطلاقه وعمل مراقبا في هيئة السكة الحديدية عام 1940.

ويضيف أنه لاحظ أثناء مراقبته للطرود الواردة من روسيا وألمانيا وبالعكس، أنه لا وجود لاسم بولندا، موضحا أن ذلك كان مؤشرا على صفقة اقتسام بولندا بين روسيا وألمانيا النازية في الحرب وفق اتفاق سري يعرف باسم "روبنتروب مولوتوف" الذي لم يعرف البولنديون بوجوده إلا بعد انتهاء الحرب.

زواج وإمامة
تزوج ياشينسكي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في بولندا عام 1944، أي بعد وقوعها تحت سيطرة الجيش الأحمر، وهو ما زال مقيما في محافظة بياوستوك التي ولد فيها شرقي البلاد يوم 18 فبراير/شباط 1911, والتي تضم غالبية تتار بولندا الذين يقدر عددهم بما بين 3500 و5000 شخص.

يعيش ياشينسكي -الذي بدأ يؤم المصلين في بياوستوك عام 1978 بعد وفاة إمامها- في شقة بالمدينة ذاتها. وعندما التقته الجزيرة نت كان يتلقى اتصالا من إمام مسجد قرية بوهينيكه، يدعوه فيه كي يؤم صلاة الجنازة التي ستقام في اليوم التالي في مقبرة القرية.

المصدر : الجزيرة