ربما تكون قرية الحديدية أبعد ما تصل إليه دولة فلسطينية مستقبلية، ولكن سكان القرية من الرعاة يتحدثون عن المصاعب التي تقف دون هذا الحلم.

وحتى لو نال الزعماء الفلسطينيون اعتراف الأمم المتحدة بدولتهم الشهر الجاري، يقول سكان الحديدية إن ذلك لن يسهم في تحسين معيشتهم وتخفيف ضغوط سلطات الاحتلال الإسرائيلية عليهم.

والحديدية جزء من الضفة الغربية لكنها تقع داخل المنطقة الحدودية التي تعتبرها إسرائيل حيوية، وقامت قوات الأمن الإسرائيلية أكثر من مرة منذ عام 1997 بهدم أكواخ القرية التي قالت إنها تقام "دون تراخيص".

ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن أعمال الهدم شردت 37 شخصا ولكنهم لم يبرحوا مكانهم رغم ذلك.

ويقول المسؤولون الفلسطينيون الذي يسعون لكسب اعتراف الأمم المتحدة إن ذلك سيعزز مطلبهم بإقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ويقولون إن التحرك ناجم عن فشل عملية السلام.

 وأعطى الربيع العربي دفعًا جديدا للفلسطينيين حيث بدأت حكومات عربية تعكس تعاطفا شعبيا مع القضية الفلسطينية، الأمر الذي قد يجعل إسرائيل تواجه ضغطا أكثر من ذي قبل.

وتعترف 120 دولة على الأقل بفلسطين، ولكن إسرائيل وحليفتها الوثيقة الولايات المتحدة تعارضان هذه الخطوة، وتقولان إن المفاوضات المباشرة دون غيرها هي التي يمكن أن تقود لقيام دولة فلسطينية.

السلطة تواجه أزمة مالية خانقة تبرز هشاشتها، والسبب المباشر هو تراجع المعونات الأجنبية التي تحتاجها السلطة لسد العجز الذي من المتوقع أن يصل إلى 900 مليون دولار
معوقات
وذكر تقرير أصدره البنك الدولي الشهر الحالي أنه يمكن مقارنة المؤسسات العامة للسلطة إيجابا بدول أخرى في المنطقة وخارجها، وهو سبب آخر يدفع مسؤولين فلسطينيين للقول إنهم مستعدون لقيادة دولة حقيقية.

وحتى إن لجأ المسؤولون الفلسطينيون إلى الأمم المتحدة فإن السلطة تواجه أزمة مالية خانقة تبرز هشاشتها، والسبب المباشر هو تراجع المعونات الأجنبية التي تحتاجها لسد العجز الذي من المتوقع أن يصل إلى 900 مليون دولار العام الجاري، والسبب الأعمق هو ضعف الاقتصاد الفلسطيني.

 ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة عجزت السلطة مرتين عن صرف أجور موظفيها -وعددهم 150 ألفا- في الوقت المحدد مما أضر بمكانتها.

وسيضر الفشل في نيل الاستقلال خلال السنوات القليلة المقبلة بمصداقية السلطة، ويقول منتقدوها إن إستراتيجيتها القائمة على التفاوض مع إسرائيل فشلت.

وثمة مشكلة أخرى تتمثل في فشل السلطة وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في إخضاع الضفة الغربية وغزة لقيادة واحدة، كما لم تجر انتخابات منذ عام 2006.

الجدار العازل في بلدة أبوديس شرقي القدس (الجزيرة)
سيطرة
وتبدو سيطرة إسرائيل على الأراضي أقوى من أي وقت مضى. فقد شيدت جدرانا وأسوارا وحواجز برية ونقاط تفتيش ومناطق إطلاق نار عسكرية وقواعد عسكرية، وتقول إن جميع ذلك ضروري لأمن دولتها.

وفي الوقت نفسه انتقل نحو 300 ألف من الإسرائيليين إلى مستوطنات في ما يعتبرونه "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية، ويعيش الآن نحو مائتي ألف آخرين في القدس الشرقية وحولها على أراض ضمتها إسرائيل رسميا.

ورغم تشكيل السلطة الفلسطينية مؤسسات في العامين الأخيرين استعدادا لإقامة دولة، فإنها لا تسيطر إلا على قطع من الأراضي في الضفة الغربية وهو نظام لتقسيم المناطق قبله الفلسطينيون في التسعينيات من القرن الماضي، اعتقادا منهم أنه خطوة نحو الاستقلال.

وترك ذلك لإسرائيل السيطرة على 60% من أراضي الضفة الغربية والتحكم في معيشة 150 ألفا من مواطنيها الفلسطينيين البالغ عددهم 2.5 مليون نسمة، وهي تسيطر كذلك على أراض تعتبر حيوية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

أمثلة حية
ويمكن رؤية العراقيل أمام بسط نفوذ السلطة الفلسطينية في قرية "النبي صموئيل" الفلسطينية شمال غربي القدس التي عزلت عن المناطق العربية بسبب الجدار العازل الذي شيدته إسرائيل في الضفة الغربية.

ويقول المحامي محمد بركات نيابة عن سكان القرية البالغ عددهم 250 نسمة "نحن نعيش في جزيرة الآن"، مضيفا أن نسبة البطالة تصل إلى 90%.

وتقول إسرائيل إن الجدار يهدف لوقف الهجمات الانتحارية وغيرها من هجمات النشطاء، وتشير إلى أنه نجح في مهمته.

لكن الفلسطينيين يرون أن الهدف منه استقطاع أراض، والقطاع الذي فصل هذه القرية عن بقية الضفة الغربية مثال على ذلك، إذ إنه يلتف حول مستوطنات يهودية قريبة وصفتها محكمة العدل الدولية بأنها غير قانونية.

المصدر : رويترز