عدد من أعضاء التيار السلفي تعرضوا إلى سنوات طوال من المحنة (الجزيرة نت)

الجزيرة نت-الرباط

لم يسلم السلفيون بالمغرب من التأثر بهبوب رياح التغيير التي يشهدها العالم العربي، فكما استطاعت أن تسقط أنظمة سياسية في المنطقة، عصفت أيضا بقناعات فكرية وسياسية راسخة مثل الجبال عند كبار شيوخ هذا التيار.

فإلى عهد قريب كان شيوخ السلفية بالمغرب يحرمون المشاركة السياسية ويعادون الديمقراطية ويهاجمون الأحزاب السياسية والحركات الإسلامية ويعتبرون العمل بالدستور احتكاما إلى غير شرع الله.

وبعد صعود نجم أسامة بن لادن، لم يتردد بعضهم في مساندته وإعلان الحرب على أميركا "الكافرة"، فكلفهم ذلك سنوات طوالا من المحنة والاعتقال بعد اتهامهم بالتسبب في التفجيرات الإرهابية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء سنة 2003.

وقد جعلت الثورات العربية بعض السلفيين يراجع أوراقه، ويصدر رسائل وبيانات تدعو إلى الاعتراف بإمارة المؤمنين واعتبار الملك محمد السادس سلطة سياسية ودينية، والعمل في إطار دستور البلاد والمذهب المالكي.

ومن بين أهم الذين أعلنوا عن مراجعات غير مسبوقة في تاريخ السلفية بالمغرب الشيخ محمد الفزازي وعبد الوهاب رفيقي الملقب بـ"أبو حفص".

مراجعات جذرية
وقد كان لافتا للنظر أن يستقبل أحد أشهر شيوخ التيار السلفي بالمغرب محمد الفزازي الأسبوع الماضي في منزله بمدينة طنجة المستشار السياسي في السفارة الأميركية في الرباط "توم غريغوري"، بعدما كانت أميركا العدو رقم واحد عند السلفيين، وأبدى هذا الشيخ أكثر من مرة تفكيره في تأسيس حزب سياسي، أو على الأقل الانضمام إلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعارض.

 الشيخ محمد الفزازي قال إنه يجب على السلفيين المشاركة بالعملية السياسية 
(الجزيرة نت)
ويعتبر هذا تحولا جذريا في فكر هذا الزعيم السلفي، الذي تم الإفراج عنه في 14 أبريل/نيسان الماضي بموجب عفو ملكي بعدما كان أدين بثلاثين عاما حبسا نافذا على إثر التفجيرات التي عرفتها مدينة الدار البيضاء سنة 2003.

شيخ سلفي آخر ما زال قابعا في السجن هو أبو حفص عبد الوهاب رفيقي أصدر العام الماضي وثيقة تحت عنوان "أنصفونا"، يعلن فيها صراحة اعترافه بالنظام الملكي ورفض ممارسة العنف ونبذ التكفير والاعتداء على معتنقي باقي الديانات.

وبالنسبة للشيخ محمد المغراوي -زعيم ما يسمى بالتيار السلفي التقليدي بالمغرب ورئيس جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة، الذي عاد أخيرا إلى المغرب بعد مكوثه بالسعودية زهاء عامين بعد أن أمر القضاء المغربي بإغلاق دور للقرآن تابعة لجمعيته- فقد دعا صراحة إلى التصويت بنعم على الدستور الجديد للمغرب.

كما حث أتباعه على التسجيل في اللوائح الانتخابية، ولم يتردد في أحد تصريحاته الإعلامية في دعوة أعضاء جمعيته إلى دعم الحزب الذي يدافع عن الإسلام، في إشارة واضحة لحزب العدالة والتنمية.

المشاركة السياسية واجبة
وفي تصريح خاص بالجزيرة نت، قال محمد الفزازي إنه "يجب على السلفيين الآن المشاركة في العملية السياسية بالمغرب، ومزاحمة باقي الفرقاء السياسيين على مصدر القرار، لأن العزوف السياسي في هذه المرحلة يضر أكثر مما يفيد"، داعيا التيار السلفي إلى معالجة الأمور بمنطق الموازنة بين المصالح والمفاسد، معبرا عن أمله في أن يكون لمراجعاته الفكرية والسياسية تأثير على شريحة واسعة منهم.

وقال إن السلطات المغربية رخصت له بالخطابة على أكبر مسجد في مدينة طنجة شمال المغرب، وأنه سيلقي فيه أول خطبة له الجمعة القادمة، وبذلك لم يعد يرى الآن أية ضرورة في إنشاء حزب سياسي، أو الانضمام إلى حزب آخر، لكنه ما زال ينتظر من النظام المغربي أن يرخص له في إنشاء جمعية دينية دعوية.

وأكد الفزازي أنه سوف يستمر في دعوة السلفيين في المغرب إلى المشاركة الواسعة في الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها في 25 نوفمبر/تشرين الثاني، وقال إنه سيقوم بتوجيههم عبر وسائل الإعلام، حتى "لا نترك اللادينيين والمثليين يصولون ويجولون في المغرب لوحدهم".

عبد الرحيم مهتاد: مراجعات السلفيين قام بها الشيوخ ولم تمتد إلى الأتباع (الجزيرة نت)
مراجعات تخص الشيوخ 
ويرى رئيس جمعية النصير لمساندة معتقلي ما يسمى بالسلفية الجهادية بالمغرب عبد الرحيم مهتاد، في حديث للجزيرة نت، أن مراجعات شيوخ السلفية في الجانب السياسي قد تكون لها تداعيات على العمل السياسي، نظرا لوجود عناصر سلفية ناشطة تتحرك في الشارع على شكل "تنسيقيات" غير معترف بها من المحتمل أن تتحول إلى أصوات ناخبة في المستقبل.

ويقلل رئيس جمعية النصير من شأن هذه المراجعات لأنه يعتبرها مبادرات فردية تخص شيوخ السلفية ولم تستطع أن تمتد إلى أنصار التيار السلفي عموما بالمغرب.

من جهته، ذهب رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بمدينة وجدة شرقي المغرب سمير بودينار إلى أن ربيع الثورات العربية يخدم التيار السلفي في المرحلة الراهنة ويقدمهم كفاعلين سياسيين جدد يمكن التعامل معهم بسبب بساطة تفكيرهم وقابليتهم للتوظيف السياسي.

ويضيف بودينار، أنه لا بد من الاستيعاب السياسي للتيار السلفي بالمغرب، بالرغم من أن هذا الأخير ما زال لا يعترف بالعمل المنظم، كما أنه يحتوي على تيارات ذات مشارب مختلفة غير منسجمة فيما بينها فكريا.

ويعتقد الباحث أن صناعة بعض الرموز داخل السلفية في المغرب قد تسير في اتجاه دفع الأتباع إلى المشاركة السياسية، حيث يمكن أن تسير في اتجاه تأسيس حزب سياسي، أو على الأقل دعم بعض الأحزاب السياسية القريبة من توجههم مثل حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

المصدر : الجزيرة