قصر الثقافة والعلوم (يسار) وفي الوسط  البرج الذي صممته العراقية زها حديد (الجزيرة نت)

محمد العلي-وارسو
 
ينتصب "قصر الثقافة والعلوم" في قلب العاصمة البولندية وارسو منذ خمسينيات القرن الماضي، بوصفه شاهدا على حقبة كان الاتحاد السوفياتي وزعيمه جوزيف ستالين الأسياد الحقيقيين للمكان.
 
فالأول كان الراعي لما كان يعرف وقتها بـ"جمهورية بولندا الديمقراطية الشعبية" ولحزبها الحاكم، والثاني أمر ببناء هذا المبنى الحجري الضخم كهدية للبولنديين، بالرغم من أنه أمر عام 1940-أي في ثاني سنوات الحرب العالمية الثانية- بإعدام 22 ألفا من نخبتهم العسكرية والمدنية فيما بات يعرف بـ"مجزرة كاتين".
 
البولنديون يكرهون المكان-حسبما أفاد طبيب عربي يعيش في وارسو منذ عام 1986- علما بأن جدالاتهم المستمرة حول مصيره انتهت عام 2008 عندما أدار مجلس مدينة وارسو ظهره للمطالبات المستمرة بهدم القصر المشابه لمبنى أمباير ستيت بنيويورك, واستعاض عنه بمشروع لحجبه عن الرؤية عبر تسويره بسلسلة أبراج.
 
وقد ظهر أول هذه الأبراج بالفعل، وكان من تصميم مهندسة الديكور البريطانية ذات الأصل العراقي زها حديد.
 
محو القديم
وسبق تخلي وارسو عن هيئتها العمرانية المتقشفة بمساعدة إبداعية من العراق ذهابها بعيدا في تبديل مستوى خدماتها السياحية, لدرجة أن الزائر لن يجد من فنادقها القديمة سوى واحد جرى تحديثه وهو يقع أيضا بوسط المدينة، ويحمل اسم نوفوتيل فيكتوريا، ويرتبط هو الآخر بصورة عربية.
 
فللمفارقة شهد هذا الفندق القديم حادثة إطلاق النار في ثمانينات القرن الماضي على القيادي الفلسطيني محمد داوود عودة، المعروف بأبي داوود في محاولة لاغتياله.
 
لكن البولنديين الشغوفين عادة باستعادة ذكريات الأمكنة, ليسوا راغبين على الأرجح في استعادة هذه الذكرى، وربما كان إنشاء نوفوتيل ثان على بعد مئات الأمتار من الأول وثالث يدعى نوفوتيل المطار محاولة لمحو الصورة القديمة خدمة لسياحتهم الناشطة حديثا.
 
مطعم حلب في مدينة غدانسك (الجزيرة نت)
بصمات عربية
وللعرب في هذا المجال أيضا بصمة لا تخطؤها العين ولا المعدة الباحثة عن طعام عربي، فالسائل عن مطعم عربي في وارسو لن يعدم من يدله على "مطعم كباب" وهي التسمية البولندية للـ"شاورما"، وثمة مطعمان يقعان على مقربة من قصر الثقافة إلى جانب مطاعم أخرى بالمدينة، ومطاعم أخرى في غدانسك الواقعة أقصى شمال البلاد على بحر البلطيق.
 
بيد أن أهم البصمات-التي تركها العرب مجتمعين في أنحاء بولندا- تتمثل في أصحاب الكفاءات العلمية والاختصاصات من الأطباء الذين بات أبناؤهم لا يدرسون في الجامعات المحلية فحسب، بل ينتقلون للدراسة في بريطانيا مستفيدين من انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي منذ العام 2004.
 
وهنا يجري الحديث عن أسماء الأطباء الكبار واختصاصاتهم، مثل جراح القلب الفلسطيني رفيق أبو سمرا، والمتخصص بزراعة الأعضاء اليمني عبد السلام الشرعبي، وعن رئيس قسم زراعة الأعضاء في أحد مستشفيات وارسو السوري أحمد سنجاب, وعن طبيب الأمراض الباطنية اليمني عبدالسلام المدحجي.
 
وتبقى البصمة العربية الأكبر ماثلة في المفردات العربية التي تسللت إلى البولندية، وهي التي يحصيها المستشرق البروفسور يانوش دانتيتسكي بنحو سبعمائة كلمة.

المصدر : الجزيرة