عاطف الأطرش قال إن السجانين كانوا يعذبونه بإسماع صوت ابنه يزن (الجزيرة نت) 

حاوره محمد الأصفر-ليبيا

في هذا الحوار، الذي خص به الجزيرة نت، يروي الصحفي الليبي عاطف الأطرش ما عاناه من تعذيب في سجون نظام العقيد معمر القذافي.

ويوضح الأطرش كيف أن كتائب القذافي اعتقلته من مدينة بنغازي شرق البلاد، في الأيام الأولى لثورة 17 فبراير/ شباط، وأذاقته وكثيرا من المعتقلين صنوفا من العذاب في سجني بوسليم وزوارة.

صف لنا ما رأيته في سجون القذافي التي مررت منها خلال الأشهر الماضية؟

شيء رهيب عشناه، ما شهدناه في سجون القذافي يجعلني أتيقن شخصيا أن غوانتانامو وأبو غريب مجرد نزهة لكل من رمى به الحظ إلى هناك.

جميع أنواع التعذيب تم تجريبها علينا، وهذه أول مرة في حياتي أشعر أنني فأر تجارب، فالتعذيب لا يتوقف على مدار الـ24 ساعة، خاصة التعذيب النفسي، هم يختبرونك من أي تعذيب تتألم أكثر فيضيفون لك منه جرعات زائدة.

التعذيب الجسدي تعودت عليه، صرت أتألم منه كثيرا، لكني أنسى الألم، فبعد عدة ضربات أفقد الإحساس، لكن الذي أتألم منه بشدة ولا أحتمله هو التعذيب النفسي.

كنت دائما أتمنى أن أضرب بشدة حتى أعرف أن مدينتي لم تحتل من جديد بعد، وكذلك كان بقية السجناء الثوار من المدن الأخرى، عرفنا خارطة الوطن ومسار الثورة من خلال التعذيب
في أول تحقيق معي ملؤوا لي بيانات من ضمن أسئلتها اسم الزوجة والقبيلة والوضع الاقتصادي، وكان المحقق يصرخ في وجهي "ما اسم الزوجة من جديد؟"، ويتغير وجهي وتفور الدماء في عروقي، فعرفوا نقطة ضعفي وتعلقي بالعائلة.

قام عسكري منهم بتفتيشي، واستحوذ على كل ما لدي، أراد أن يسلبني خاتم الزواج فاستهجنت ذلك وقلت إن عليه اسم زوجتي، فصفعني بقوة وسلبني معطفي وتركني في برد شديد، وبعد ذلك صرت أخبئ الخاتم في جيبي كلما سمعت صوتا يقترب من الزنزانة وبعد أن يذهب الصوت أضعه في إصبعي.

بعد شهرين من العزلة التامة في سجن بوسليم حقق معي من جديد مدير الأمن الداخلي في طرابلس عبد الحميد السايح، وشبه لي قناة الجزيرة -التي اتصلت بها لنقل وقائع المظاهرات- بقناة اليهود، بعدها أحضروا لي تسجيلات لكل مكالماتي للجزيرة وواجهوني بها وأخذوا يذيعونها علي.

وكنت قد أجريت إحدى هذه المكالمات من البيت وكان ابني يزن يغني ويمرح، وعندما سمعت صوته بكيت بدموع غزيرة، وعندما رأوا تأثري بصوت يزن صاروا يتلذذون بسادية ويكررون هذا المقطع ويرفعون الصوت إلى أعلى مدى، فأذرف من جديد وأتألم كثيرا.


كيف قبضت عليك كتائب القذافي؟

كنا نؤدي صلاة الغائب في ساحة الحرية والاعتصام بمدينة بنغازي، وبعد الصلاة انطلقنا في مسيرة مررت من شارع جمال عبد الناصر، وأمام مصرف ليبيا المركزي رأينا أفرادا من كتيبة الصاعقة يهتفون معنا "الشعب يريد إسقاط النظام".

واصلنا المسيرة، وكان كل ما له علاقة بمعمر القذافي من منشآت في الشارع محروقا، حرقه الثوار خلال المظاهرة، من قبيل المثابة الثورية سيدي حسين، والمثابة الأم الملقبة بعصارة البرتقال نظرا لقبتها، ومبنى البحث الجنائي ومركز أبحاث ودراسات الكتاب الأخضر، الذي كان أمامه تمثال جمال عبد الناصر ولم يمسه الثوار بسوء.

كما أن بقية المنشآت كالفنادق والمصارف والمتاجر لا أحد أصابها بسوء، وسارت الأمور على ما يرام إلى أن وصلنا أمام مقر كتيبة الفضيل بوعمر الأمنية، وكنت أمسك الكاميرا وأتابع المسيرة من أطرافها، فوجدت نفسي بين حرس الكتيبة والناس المشاركين في المسيرة وصرت أتمشى ببطء بين النخيل وأصور، وفجأة سمعت طلقا ناريا وصوت شيء يصطدم بالنخلة التي بجانبي بالضبط، نظرت خلفي فرأيت الحرس متخذين وضع إطلاق النار ورشاشاتهم موجهة نحو الجميع.

عندما رأوا تأثري بصوت يزن صاروا يتلذذون بسادية ويكررون هذا المقطع ويرفعون الصوت إلى أعلى مدى، فأذرف من جديد وأتألم كثيرا
انبطحت أرضا وبدأ الجنود في إطلاق النار بكثافة، استمر ذلك نصف دقيقة تقريبا، وأحسست أن الرصاص قريب مني جدا وصرت أردد الشهادتين واستغفر الله وألعن الطاغية معمر القذافي، ثم حاولت أن أقف فهاجمتني مجموعة من الحرس وأشبعوني ضربا ثم اعتقلوني، وأتذكر أني أمضيت حوالي ساعتين ولا أحد اعتقل معي.

أدخلوني إلى داخل الكتيبة وبدأوا في صفعي وركلي ولكمي وضربي بالعصي، وبعدها ربطوا على عيوني خرقة خضراء كريهة الرائحة انتزعها جندي من عمامة فوق رأسه وأوثقوا يدي إلى الخلف ووضعوني في حاشية مدفع مضاد للطائرات (ميم طاء) واستخدموني درعا بشريا وبدؤوا يطلقون النار من المدفع على الثوار.

كان صوت المدفع صاخبا ومؤثرا على أذني بقوة لأني كنت قريبا منه، وشعرت من جرائه وكأني فقدت السمع وبين الحين والآخر عندما يوقف العسكري الرمي ينحني نحوي ويصرخ "يا حيوان لا يهمني أن يموت أربعة آلاف أو خمسة آلاف، ولا يهمني أن تحترق بنغازي كلها، المهم أن يبقى معمر قائدنا".

طبعا حاولت أن أحتفظ بهدوئي وحرصت على ألا استفز العسكري بأي كلمة كي لا يفقد أعصابه ويقتلني، واستمررت جالسا في عربة المدفع حوالي ساعتين، بعدها أنزلوني، وكان أحدهم يمد كوب شاي نحو فمي فأرشف منه، وآخر يصفعني على وجهي بعنف ويقهقه.


عندما قبضوا عليك في بنغازي وسجلوا بياناتك، هل حققوا معك بعدها؟

بعد أن أنزلونى من عربة المدفع وبقيت لساعات، أحضروا معتقلين آخرين، فيهم شيوخ وكهول وشباب، وحتى بعض الأحداث والمراهقين، أوقفونا في طابور ثم ضربونا من جديد بالعصي وبأعقاب البنادق، وركلونا بأحذيتهم العسكرية، وتلقينا منهم نطحات بالرأس، ثم حشرونا في حاوية معدنية فوق شاحنة وأخذتنا حوالي نصف ساعة في طريق ليست مزدحمة، خمنت آنذاك أنهم نقلونا إلى حي الهواري أو حي القوارشة، وهناك حقق معي رئيس الأمن الداخلي في بنغازي اللواء السنوسي الوزري.

أدخلوني إلى داخل الكتيبة وبدؤوا في صفعي وركلي ولكمي وضربي بالعصي، وبعدها ربطوا على عيوني خرقة خضراء كريهة الرائحة انتزعها جندي من عمامة فوق رأسه
صرخ السنوسي الوزري في وجهي قائلا "اعتبر نفسك ميتا يا جيفة، وانس أنك أتيت لهذه الدنيا"، ثم سألني "كيف تفسر لي أن آباءك وأسيادك ليبيون وأنت لست كذلك؟، فقلت له: لم أفهم، فتابع "الخونة الذين في البلاد ليسوا ليبيين وأنت خائن وعميل منهم"، وطلبت منه أن يوضح لي أكثر"، فقال "أنت تعرف ماذا فعلت أنت والشلة الذين معك"، وذكر لي أسماء مثل الحبيب الأمين ومحمد الصريط ونعيم العشيبي ومحمد اسحيم وجلال الكوافي.

وبعدها استعرض علي قائمة بالأسماء المستعارة في فيسبوك يسألني هي لمن ومن خلفها بالضبط، وعندما أنكرت معرفتي بأي منها حملق في بجنون وصرخ من جديد "اعتبر نفسك ميتا يا جيفة، وانس أنك أتيت لهذه الدنيا، وما دمت لا تريد الكلام هنا فسنرحلك حالا إلى طرابلس، وهناك سيجعلونك تتمتع بالكلام، كان يعتبرني أحد قادة الثوار، وعندما يئس من الحصول على أي معلومة وفهم الأمر قال لي: يبدو أنك مجرد متدرب.


والسجن في طرابلس هل كان انفراديا أم في زنزانات جماعية؟

الأمران معا، في بوسليم وضعوني في زنزانة تحت الأرض، مظلمة لا أعرف فيها الليل من النهار، ولم تكن لدي ساعة، ولا أعرف كم يوما قضيت فيها بالضبط، لكن أقدر أنني مكثت هناك أكثر من أسبوع، وبعدها حولوني إلى زنزانة جماعية.

تنقلت من سجن بنغازي إلى سجن بوسليم ثم عين زارة ثم بوسليم من جديد ثم عين زارة مرة أخرى، وكنت في كل قدوم أو خروج من السجن أتعرض للضرب المبرح وللتعذيب حتى يستوي لدي الموت والحياة، وكنت أتمنى أن يرموني بالرصاص كي أستريح.

ولو كنت أعرف أني سأتعرض لكل هذا العذاب الوحشي لكنت تعمدت أن أتلقى رصاصة في بنغازي، وما كنت انبطحت على الأرض تفاديا لنيران رشاشات الجنود.

من العذاب فقدت أحيانا حتى ذاكرتي وبدأت ملامح من أعرفهم من أسرتي وأصدقائي تتلاشى، لكن عندما أتذكر الثورة سريعا ما أشعر بالخوف عليها فتعود الملامح تطل أمامي وتتضح تدريجيا، ابني يزن يضحك، زوجتي ترى الخاتم في إصبعي وتبتسم، أمي تدعو لي، شوارع بنغازي تجر أقدامي إليها، خربشات الجدران تقرأ نفسها في عيوني، هتافات الناس المحتشدين تهتف بالسؤال عني وعن كل الأسرى، مناظر كانت تخفف شدة العذاب.

من أشكال التعذيب التي ذقتها ما يسمى "الفلقة" حيث كانوا يضربونني أسفل قدمي ضربا مبرحا في جو بارد، وعندما ينتهون تنتفخ قدماي إلى حد أني لم أكن أستطيع إدخالهما في الحذاء، فأنتظر نحو ساعتين حتى تعودا إلى طبيعتهما.


وماذا عن بنغازي، هل أشاعوا لكم في السجن أنهم استرجعوها من الثوار؟

بصراحة كانوا يقولون لنا أكثر من مرة إنهم استعادوا بنغازي وكل الشرق الليبي، لكن سجينا جديدا أخبرنا أن بنغازي صارت دولة مستقلة، وبصراحة لم أشعر أن بنغازي احتلت، فكل مرة يضربونني فيها بعنف، ويدوسون على رقبتي بعنف، كنت أشعر أن المدينة مازالت تؤرقهم وأنها عصية عليهم.

كنت قلقا على الثورة، خفت أن تفشل بعد كل هذه التضحيات، ذات يوم حضرت دفعة جديدة من السجناء، وعلمت منهم أنه قد تم تشكيل مجلس انتقالي، وسألت من رئيسه فلما علمت أنه الشيخ مصطفى عبد الجليل، قفزت عاليا وصرخت فرحا وتأكدت أن الثورة بأيد أمينة، لأن هذا الرجل طيب ومعظم الناس تحبه، ووقف إلى جانبنا في قضية الصحفي الشاب محمد الصريط، الذي لفق له الأمن الداخلي تهما، لكن المستشار مصطفى عبد الجليل تدخل وأفرج عنه متحديا ألاعيب البوليس والمخابرات ومؤامراتهم الدنيئة.

بما أنكم كنتم منقطعين عن العالم، كيف كنت تعرف بالأحداث الجديدة، وأخبار المدن المحررة؟ وهل كان السبب في العنف المفرط الممارس عليك أنك تنحدر من بنغازي؟

حاولت أن أحتفظ بهدوئي وحرصت على ألا استفز العسكري بأي كلمة كي لا يفقد أعصابه ويقتلني، واستمررت جالسا في عربة المدفع حوالي ساعتين، بعدها أنزلوني، وكان أحدهم يمد كوب شاي نحو فمي فأرشف منه، وآخر يصفعني على وجهي بعنف ويقهقه
نعم بالضبط، عندما وصلت إلى طرابلس سألني السجان من أي مدينة أنا، ولما أجبت أني من بنغازي بدأ يضربني بعنف، وكان هناك سجناء آخرون لا يتم ضربهم كثيرا، السجناء من بنغازي والجبل الغربي ومصراتة وأجدابيا ومدن الشرق كانوا يضربون بشدة لأن مدنهم تحررت.

كنت دائما أتمنى أن أضرب بشدة حتى أعرف أن مدينتي لم تحتل من جديد بعد، وكذلك كان بقية السجناء الثوار من المدن الأخرى، عرفنا خارطة الوطن ومسار الثورة من خلال التعذيب، وكان التعذيب الكثير يعني لنا أن الثوار يتقدمون، ولما يتوقف التعذيب، فإن ذلك كان يعني أن الثوار في مأزق، كنا أحيانا نسمع في سجن بوسليم إطلاق نار، فأتوارى وابتسم، وأقول إن طرابلس استيقظت وانتفضت وإن الحرية قريبة إن شاء الله.


كيف كنت تقضي أوقاتك في السجن، وبماذا كنت تفكر؟

في البداية كنت أفكر بأسرتي وعائلتي، وأفكر بالثورة وهي في مهدها وأتساءل هل ستنجح أم لا، وأصبحت هاجسا قويا جدا يتملكني حتى وأنا أعذب، فأحس أن الألم لا معنى له مع ألم فقدان الحرية.

مرت ستة شهور وأنت معتقل ولا خبر عنك، ألم تجد سجانا فاعل خير أو شرطيا شريفا ترسل معه رسالة أو إشارة تدل على أنك على قيد الحياة؟

قدرنا أننا وقعنا بين أيدي سجانين لا يرحمون، وقد صدمت واستغربت أن تكون معنا مثل هذه النماذج في ليبيا، نحن لم تكن معنا شرطة، بل كانت تحرسنا الكتائب، وكانت هي وحدها المشرفة على كل شؤوننا من أكل وشرب وتعذيب وحجز انفرادي، فأين كنت ستجد فاعل خير بين هؤلاء الأشرار.


كنت في سجن عين زارة أثناء عملية تحريركم، كيف كانت العملية؟

في عين زارة سمعت صوت رصاص متبادل، ولم يكن من طرف واحد، ومن خلال أصوات الرصاص وفرامل السيارات وانطلاقاتها بسرعة شعرت أن هناك اشتباكات في الخارج، وانتبهت جيدا فسمعت الرصاص ينطلق والتكبيرات تنطلق معه بقوة، عرفنا أن الثوار وصلوا فخفنا من التصفية الجسدية وانزوينا إلى جنب بعض نقرأ القرآن.

لكن صيحات الله أكبر مع طلقات الرصاص بدأت تقترب أكثر فأكثر، فلم أعد أحتمل، وبدون شعور وقفت وجريت نحو النافذة وبدأت أهتف بقوة "ليبيا حرة والخاين يطلع بره" ومع الهتاف سرت قشعريرة في جسدي وانهمرت دموع الفرح من عيني.

هرب حراس السجن ودخل الثوار محطمين قفل الزنزانة بطلقات الكلاشنكوف، وفور ما دخلوا العنبر أخذت أضربهم بهستيريا وأصرخ لماذا تأخرتم يا إخوتي إلى هذا الوقت؟ لماذا؟ لماذا؟ وما إن عرفوا أني عاطف الأطرش حتى صرخ بعضهم "الله أكبر ها هو عاطف حي وعانقوني بحرارة وأخذنا نبكي معا".

بعيدا عن التحقيقات ورجال الأمن، هناك من يقول إنه بعد كل هذه التضحيات من الثوار، أصبح كثير ممن كانوا مقربين من سيف الإسلام القذافي وأبيه هم قادة البلاد الآن، وهم من يتقلدون زمام الأمور في كل شيء، أما الثوار ممن يقاتلون في الجبهة فهم مستبعدون، أو يتم التخطيط لاستبعادهم، ما رأيك في ذلك؟

هذا الأمر بصراحة يجعلني أشعر بخيبة أمل لكني كما بدأت مسيرتي مع الثورة مقاتلا فسأنهيها مقاتلا ضد هؤلاء المتسلقين، نحن لم نخش هذه النماذج أثناء حكم العقيد وجبروته، فما بالك الآن ونحن نعيش عصر حرية صنعتها دماؤنا ولم يمن بها علينا أحد.

المصدر : الجزيرة