عبد العظيم الشيخ-الجزيرة نت

ما إن سقط باب العزيزية في أيدي الثوار الليبيين حتى توالت البيانات الرسمية من أغلب دول العالم مهللة ومرحبة بزوال نظام معمر القذافي ومعترفة بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الليبي، فيما بدا موقف الدول الأفريقية التي كان لمعظمها علاقات وثيقة بالنظام المنهار مختلفا وإن كان بنسب متفاوتة.

وقد بادرت بعذ الدول الأفريقية إلى رفض ما آلت إليه الأوضاع هناك، في حين آثر بعضها ركوب موجة التأييد رغم تعاطفها مع القذافي، وتعمد فريق ثالث إرسال إشارات تضفي ضبابية على موقفه.

ولعل موقف جنوب أفريقيا كان أكثر تلك المواقف وضوحا في تعاطفه مع نظام القذافي. وقد تجلى ذلك في رفضها أمس الأربعاء طلبا تقدمت به الولايات المتحدة في اجتماع للأمم المتحدة بالإفراج عن الأرصدة الليبية المجمدة بموجب قرار دولي، وذلك لمساعدة المجلس الوطني الانتقالي الليبي في تسيير شؤون الدولة الآنية.

فهي (جنوب أفريقيا) ترغب قبل الإفراج عن الأرصدة في أن يتريث مجلس الأمن الدولي لمعرفة ما إن كان الاتحاد الأفريقي سيعترف أم لا بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي خلال اجتماع له اليوم الخميس.

ومن الدول الأفريقية التي تبنت موقفا سلبيا من الثورة الليبية الجزائر حتى أن الناطق باسم المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا اعتبره موقفا "مؤسفا".

ففي حديث نشرته صحيفة الوطن الجزائرية اليوم الأربعاء، قال المسؤول الإعلامي في المجلس الوطني الانتقالي محمود شمام "لقد كنا نأمل في أن تكون الجزائر إلى جانب الشعب الليبي الذي يكافح من أجل حريته واستقلاله والاضطلاع بالدور الذي يمليه عليها موقعها الجيو سياسي، غير أن ذلك لم يحدث للأسف".

وأضاف أن العلاقات بين الجانبين "تمر بمرحلة جد حساسة بالنظر إلى موقف النظام الجزائري الذي قدم دعما واضحا لنظام القذافي".

أما تشاد، الجارة الجنوبية لليبيا، فقد سبق للمجلس الوطني الليبي أن اتهم حكومتها بمشاركة كتائب القذافي في قصفها مدنا شرقي البلاد، مما أدى إلى قتل عدد من المدنيين منذ انطلاق ثورة 17 فبراير/شباط، وهو ما نفته إنجمينا لاحقا.

موقف جنوب أفريقيا كان أكثر المواقف وضوحا في تعاطفه مع نظام القذافي. وقد تجلى ذلك في رفضها أمس الأربعاء طلبا
وقد اتسم موقف السودان، الذي يجاور ليبيا في ركنها الجنوبي الشرقي، بالتحفظ أحيانا وبالتأييد الحذر للثوار أحياناً أخرى بشكل يعكس مدى تأرجح العلاقات بين البلدين طوال العقود الأربعة الأخيرة صعودا وهبوطا
.

ولا بد أن تكون حكومة الخرطوم فرحة بسقوط القذافي الذي لم يُخف دعمه حركات التمرد في السودان على اختلاف الأنظمة التي حكمته، بدءاً بالحركة الشعبية لتحرير السودان التي قادت الجنوب إلى الانفصال وليس انتهاءً بحركة العدل والمساواة في إقليم دارفور المتاخم لليبيا.

مصالح
ومن الدول الأفريقية التي ركبت موجة التأييد مع احتفاظها بشيء من التقدير للقذافي، بوركينا فاسو. فقد عرضت الدولة الواقعة غرب القارة على القذافي اللجوء لكنها اعترفت في الوقت نفسه بالمجلس الوطني باعتباره السلطة الشرعية الوحيدة في ليبيا.

غير أن دولا مثل نيجيريا وإثيوبيا والسنغال اختارت الوقوف إلى جانب الثورة الليبية فاعترفت بمجلسها الوطني ممثلا شرعيا للشعب، ودعت الاتحاد الأفريقي إلى القيام بالخطوة ذاتها.

ولعل ما يفسر تباين مواقف الدول الأفريقية هو أنها تظل محكومة بالمصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية والأيديولوجية الخاصة بكل دولة شأنها في ذلك شأن كل دول العالم.

وتخشى الدول الأفريقية من تداعيات زوال نظام القذافي على اقتصاداتها. فعائلة العقيد وحكومته أغدقت الأموال في شكل استثمارات في العديد من تلك الدول والتي تراوحت بين فنادق ومحطات وقود ومزارع دواجن وشركات اتصالات وغيرها.

كما أن نظام القذافي كان من أكبر خمسة مساهمين في ميزانية الاتحاد الأفريقي، إذ بلغت 15% من إجمالي الميزانية. وبمعنى آخر ظل القذافي يدفع متأخرات العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، كما واصل تمويل مساهماتهم في الاتحاد من أجل كسب تصويتهم في هذا الأخير لصالح فكرته الخاصة بتكوين "الولايات المتحدة الأفريقية".

غير أن العلاقات المبنية على مصالح اقتصادية واعتبارات سياسية ما تلبث أن تتغير هي الأخرى بتغير الظروف التي فرضتها. والحكومات الأفريقية التي ناصبت الثورة الليبية العداء أو تلك التي آثرت الوقوف في منطقة وسطى، كلها ستجد نفسها، بفعل الضغوط الاقتصادية والإملاءات الدولية، مرغمة على التعامل مع ليبيا ما بعد القذافي بمنطق أن الدول أبقى من الأفراد مهما علا شأنهم وبلغت سطوتهم وجبروتهم.

المصدر : وكالات,الجزيرة,مواقع إلكترونية