الحركة الاحتجاجية التي تشهدها إسرائيل تعتبر سابقة لم تعهدها من قبل (الفرنسية-أرشيف)

تسلط ورقة تقدير موقف صادرة عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، الضوء على حركة الاحتجاجات التي شهدتها إسرائيل في الفترة الأخيرة.

وتقف عند الدوافع التي حركت تلك الأحداث وصولا لآفاقها المستقبلية وتأثيرات ذلك على خيارات الحكومة الإسرائيلية لتجبرها على إعادة ضبط سياساتها الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن السياسات السابقة التي أعطت الجانب الأمني الأهمية القصوى مع تعالي بعض الأصوات المطالبة بإعادة النظر في سياسة الاستيطان.

وتشير الورقة التي جاءت تحت عنوان "دوافع وآفاق حركة الاحتجاج في إسرائيل" إلى أن الحركة الاحتجاجية التي تشهدها إسرائيل منذ أواسط يوليو/تموز الماضي تعتبر سابقة لم تعهدها من قبل، لا من حيث حجمها أو استمراريتها ولا من حيث نوعية القوى المشاركة فيها.

وقد خلطت حركة الاحتجاج -التي ابتدأت بنصب الخيام في أحد الميادين الرئيسية في تل أبيب للتنديد بغلاء أسعار الشقق- أوراق الساسة خصوصا مع الزخم الذي أخذته وزيادة أعداد المتظاهرين الذين بلغوا في إحدى المظاهرات نحو ثلاثمائة ألف متظاهر.

ومن المعلوم أن شرائح من الطبقة الوسطى الإسرائيلية هي التي بادرت وقامت بحركة الاحتجاج الراهنة، بخلاف حركات الاحتجاج الإسرائيلية السابقة التي قامت بها الشرائح المسحوقة من اليهود الشرقيين على خلفية التمييز الإثني ضدهم.

فالحركة الاحتجاجية الحالية ترجع إلى تآكل قدرة الطبقة الوسطى على مواجهة الأعباء المالية للحياة نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة بصورة حادة في مختلف متطلبات الحياة الأساسية والضرورية المتعلقة بالمسكن والمأكل والملبس والمشرب والمواصلات والاتصالات والكهرباء والبنزين والسيارات والمواد الاستهلاكية الأخرى الضرورية.

وتعتبر الورقة أن جذور الأزمة ترجع إلى السياسة الاقتصادية الاجتماعية التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين، والتي تمثلت في التخلي عن دولة الرفاه وإتباعها نهج الاقتصاد الحر والخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة والسكن.



احتجاجات إسرائيل تأثرت كثيرا بميدان التحرير (الجزيرة-أرشيف)
تأثر بميدان التحرير
يرى محررو الورقة أن رواد الحركة الاحتجاجية الإسرائيلية تأثروا بشكل لا يمكن تجاهله بالثورة في ميدان التحرير بالقاهرة، وذلك من حيث عملية نشوء هذه الحركة والشكل الذي اختارته للتنظيم والتجمع وطبيعة القوى المشاركة ودور أحزاب المعارضة الداعم وغير القائد، خصوصا مع تصريح بعض النشطاء بشكل واضح بتأثير مشاهد ميدان التحرير فيهم
.

وقد أصرت حركة الاحتجاج منذ انطلاقها وحتى اليوم على حصر مطالبها في القضايا الاجتماعية الاقتصادية فحسب، دون التطرق إلى القضايا السياسية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وذلك من أجل المحافظة على وحدة صفوفها وتفادي أي أمر من شأنه إحداث الفرقة بين الفئات غير المتجانسة التي انضمت إليها.

ولم تقدم حركة الاحتجاج لائحة مطالب محددة، وإنما مجرد مطالبات بإحداث تغيير جذري شامل في سياسات الحكومة الاقتصادية الاجتماعية، ودعت التصريحات المتكررة لقادة الحركة إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وتقليص الهوة بين شرائح المجتمع الإسرائيلي وإلى خلق تماسك اجتماعي متين قائم على الاستجابة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة والضعيفة في المجتمع الإسرائيلي.

وطالبت كذلك بمحاربة الغلاء وفرض رقابة حكومية على أسعار المواد الأساسية وجعل الإسكان في متناول شرائح المجتمع المختلفة ورفع مستوى الحد الأدنى للأجور.



ولا تزال حركة الاحتجاج الإسرائيلية ماضية في نشاطها، وهي تهيمن على الحديث والجدل العام في إسرائيل، ولا يمكن التنبؤ حتى الآن متى وكيف ستنتهي.

وتؤكد الورقة أن أفق حركة الاحتجاج الإسرائيلية ينحصر في الحالة اليهودية الصهيونية الإسرائيلية. فهي كحركة نابعة من مجتمع تشكل تاريخيا من هجرة واستيطان، وبنى ذاته على حساب الغير وتسود فيه روح العنصرية وعدم الإحساس بآلام ومعاناة ضحاياه ولا يزال يخوض صراعا مباشرا ضدهم.

وبذلك حصرت حركة الاحتجاج نفسها في مجتمعها وبنت بينها وبين الفلسطينيين جدارا في مخيلتها ليحجب عنها رؤيتهم والتطرق إلى معاناتهم، في وقت تطالب بالعدالة والمساواة والرفاهية لمجتمعها وفي الإطار الصهيوني.

ومع ذلك تبقى حركة الاحتجاج مهمة، وتشكل تحديا مهما لحكومة نتنياهو واليمين المتطرف، وتحمل بين ثناياها إحداث تغييرات داخلية في المجتمع الإسرائيلي قد تقود إلى تبلور اصطفافات سياسية وحزبية في إسرائيل تؤدي إلى إضعاف تحالف الليكود والمستوطنين والحرديم وحزب ليبرمان، إلى درجة تمكن المعسكر المناوئ لهم من الفوز في الانتخابات المقبلة. ويعتمد هذا على قدرة الحركة في الاستمرار في احتجاجاتها والحفاظ على تماسكها والاستمرار في أخذ زمام المبادرة.

 قادة حركة الاحتجاج من أبناء الطبقة الوسطى يطالبون بحلول في مناطقهم وليس عبر الاستيطان في مناطق أخرى مثل الجليل والنقب، فضلا عن الضفة والقطاع
الاستيطان صراع سياسي
وتشير الورقة إلى أن الجديد في الأمر أن قادة حركة الاحتجاج من أبناء الطبقة الوسطى يطالبون بحلول في مناطقهم وليس عبر الاستيطان في مناطق أخرى مثل الجليل والنقب، فضلا عن الضفة والقطاع
.

وبذلك تسعى حركة الاحتجاج إلى حل مشاكلها وخاصة مشكلة السكن في مدنها وقراها داخل الخط الأخضر، في حين تسعي الحكومة بتحالفها اليميني إلى استغلال الاحتجاج ضد الضائقة السكنية من أجل دفع الفئات المتضررة من الطبقة الوسطى إلى البحث عن حل عبر الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة، بقدر ما تتسامح أو تتماشى الإدارة الأميركية مع ذلك.

المصدر : الجزيرة