ينقلون الماء بالصهاريج من قرية دينوناي التي تبعد عن المدينة حوالي 40 كيلومترا شمالا (الجزيرة نت)

عبد الرحمن سهل-بورهكبا

يفتك الظمأ بحياة سكان مدينة بورهكبا الصومالية، و360 قرية تابعة لها جراء موجة الجفاف التي أصابتها، وسط شح المعونات الإغاثية، وارتفاع سعر المياه بصورة جنونية، الأمر الذي يهدد حياة آلاف الأسر المشردة نتيجة القحط.

وقال شيخ علي يوسف للجزيرة نت "الكل هنا يعاني من نقص حاد للماء، سكان المدنية والنازحون إليها"، مشيرا إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يواجه سكان المنطقة فيها أزمة مياه.

غلاء المياه
ومن آثار الجفاف ارتفاع أسعار المياه بصورة جنونية وفق روايات سكان المدينة للجزيرة نت, حيث يقدر سعر البرميل الواحد بنحو مائة ألف شلن صومالي (ما يعادل ثلاثة دولارات أميركية) وكان سعره قبل أزمة الجفاف حوالي دولار واحد فقط.

وتقول حواء عثمان وهي أم لأربعة أطفال للجزيرة نت "لا أستطيع الحصول على الماء، لأن سعره قد ارتفع بشكل خيالي، ولا أقدر على جلبه من مسافة بعيدة"، وتضيف أن الله أنقذ حياتها وحياة أطفالها بحصولها على كمية بسيطة من الماء منذ أسبوع بدعم من جمعية حنين الخيرية.
 
غير أنها استدركت قائلة "الماء الذي نحصله غير كاف.. نعد به الطعام لأولادنا فقط، ونشرب منه، أما الاحتياجات الأخرى فلا محل لها".

وقد بدأت جمعية حنين الخيرية بالتعاون مع هيئة الثقة لرفاهية الأمة -ومقرها بريطانيا- جهودا إغاثية لتخفيف المعاناة عن هؤلاء المتأثرين بالجفاف.

وقال رئيس جمعية حنين الخيرية محمد ياسين "نسقي يوميا حوالي ألف شخص من سكان بورهكبا"، وأضاف أن الأسر المستفيدة من جهودهم الإغاثية غير قادرة على جلب الماء من المناطق النائية لعدم امتلاكها وسائل النقل، أولا، والضائقة المعيشية للأسر الفقيرة ثانيا.

وذكر أنهم ينقلون الماء بالصهاريج من قرية دينوناي التي تبعد عن المدينة حوالي 40 كيلومترا شمالا.

من آثار الجفاف ارتفاع أسعار المياه بصورة جنونية (الجزيرة نت)
معاناة النازحين
علاوة على أزمة المياه التي يعاني منها الجميع فإن ظروف النازحين إلى المدينة أكثر قساوة من سكانها، فتدهور معيشتهم اليومية هو عنوان مأساتهم التي وصلت إلى حد لا يتصور، حسب رواياتهم للجزيرة نت.

وقد أنشأت حركة الشباب المجاهدين مخيمين في الجانب الشرقي من المدينة لإيواء ألفين ومائة أسرة.

ويضم مخيم أبي بكر الصديق حوالي ألف ومائة أسرة، ويقدر سكان مخيم عثمان بن عفان بخمسمائة أسرة، وبين المخيمين 500 أسرة وصلت للتو، والقاسم المشترك بينهم هو حرمانهم من الحياة الكريمة.

ويتسابق سكان المخيمين إلى كل من يزورهم لعلهم يحصلون منه على شربة ماء، أو على طعام ينقذ حياتهم، أو حليب يعيد البسمة إلى أطفالهم.

وتصف عائشة محمد أحوال النازحين بقولها للجزيرة نت "بطونهم خالية، وأبصارهم شاخصة، وأفواههم فاغرة، وأيديهم مرفوعة إلى الله لطلب العون والمساعدة العاجلة".

وتقول السيدة متان حسن "حياتنا قاسية، وأوضاعنا متدهورة، ومصيرنا الموت جوعا، قد أتى الجفاف علينا، أهلك الحرث والنسل، وقد لجأنا إلى مدينة بورهكبا، والمسغبة تلازمنا"، وأشارت إلى تسلمهم مواد غذائية قبل ثلاثة أسابيع، تتكون من الأرز، والدقيق، والزيت، والسكر، غير أنها استدركت قائلة "نفد الزاد فهل من يغيثنا".

أما السيدة نورية آدم علي وهي أم لثمانية أطفال وتعاني كغيرها من الأسر المقيمة في المخيم فلم تستطع الجلوس مع أطفالها الذين يتضورون جوعا فاتجهت إلى المدينة لتطلب الرزق لأطفالها غير أنها رجعت خاوية الوفاض، وتقول للجزيرة نت إن ابنتها ميمونة مصابة بمرض الكوليرا، والبقية كذلك يعاونون من سوء التغذية.

أما الحديث عن الخدمات الصحية فضرب من الخيال، فلا حمامات أسست لهم، ولا طواقم طبية محلية، أو عربية، أو أجنبية تسعفهم، يفترس مرض الكوليرا أطفالهم، حسبهم الجوع، والأمراض، والعطش.

بيوت متهالكة
أما بيوتهم فمتهالكة، مصنوعة من المواد المحلية، وقد أقيمت على عجل فيما يبدو، أحجامها صغيرة حيث لا تتسع إلا لثلاثة أشخاص، لا تقيهم أشعة الشمس الحارقة وفق رواية السيدة مدينة حسن.

وتقول للجزيرة نت "نحن نجلس ونبيت في العراء منذ خمسة أيام وننتظر العون من الله تعالى" وأكدت أنها لم تتلق شيئا حتى الآن.

من جانبها تدق السيدة حبيبة معلم ناقوس الخطر وهي من الأسر التي وصلت خلال الأسبوع الجاري إلى المخيم وتقول "نقيم هنا منذ ثلاثة أيام، بدون طعام ولا ماء ولا دواء، مصيرنا الموت جوعا، نريد إغاثتنا حالا".
 

جمعية حنين بالتعاون مع هيئة الثقة البريطانية تغيث سكان بورهكبا بالمياه (الجزيرة نت) 
غير كافية
وتحاول الإدارة الإسلامية المحلية بالتعاون مع جمعيات محلية، وأخرى دولية كلجنة الصليب الأحمر إسعاف هؤلاء النازحين غير أن أوضاعهم المعيشية تنذر بوقوع كارثة إنسانية.

فبينما وزعت لجنة الصليب الأحمر الدولي الأرز والزيت على 400 أسرة من النازحين، وزعت جمعية الشارقة الخيرية مواد إغاثية على ألف أسرة شملت الأرز، والدقيق، والسكر، والزيت.

وقال رئيس جمعية حنين الخيرية "وزعنا معونات إغاثية بالتعاون مع جمعية التربية الإسلامية في البحرين على سبعمائة أسرة"، وذكر أنهم يخططون لتوصيل مساعدات إنسانية إلى خمسة آلاف أسرة في المرحلة القادمة.

غير أن هذه الجهود الإغاثية هي بمثابة قطرة ماء في بحر، ومعاناة النازحين إلى مدينة بورهكبا تزداد اتساعا وفق روايات النازحين.

وتقول السيدة فاطمة عثمان وهي أم لأربعة أطفال ملخصة محنتها "آخر معونة استلمتها كانت قبل واحد وعشرين يوما ولا أملك الآن شيئا".

أما شيخ حسن يوسف فيقول "لم نأكل طعاما، ولم نشرب الشاي منذ وصولنا إلى المخيم" مما يعني أن الجميع هنا سواسية، الذين تلقوا معونات غذائية، أو الأسر التي لم يتم إسعافها حتى الآن، كلهم يشتكون من الجوع والعطش والمرض، في انتظار من يستجيب لصرخاتهم قبل فوات الأوان.

المصدر : الجزيرة