صومالية تجر وراءها وعاءً مليئا بالماء لتروي عطش أطفالها (رويترز)

كثيرة هي مفارقات الحياة في هذا الزمان، حتى إن المرء ليعجز عن متابعة ما تبثه وسائل الإعلام من قصص وحكايات تروي قدرة إنسان هذا العصر على الإتيان بأمور هي أقرب إلى الخوارق والمعجزات وغرائب الأشياء.

ولعل آخر تلك المفارقات احتفال إحدى القرى في بلجيكا بدخولها موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد أن تمكن بعض أهليها من تحضير أكبر كأس لمشروب في العالم بسعة أكثر من ألفي لتر وارتفاع يزيد على المترين وقطر يبلغ أكثر من متر ونصف المتر.

يتزامن خبر الاحتفال هذا بسيل من التقارير الإخبارية من الصومال تتحدث عن مئات من الناس يموتون كل يوم عطشا، ويتضور الملايين جوعا في زمن يستمطر الإنسان فيه السماء صناعيا، وتنتج الأرض في أماكن أخرى محاصيل بتقنيات تقليدية أو بهندسة وراثية، ويلقي الأثرياء آلافا مؤلفة من أطنان الطعام في مكبات النفايات.

ومما يحز في النفس أن ما تتخلص منه الفنادق والمنازل وغيرها في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من فوائض موائد إفطار رمضان ترفع نسبة الفاقد من الغذاء بين 15% و20%، طبقا لوكالة رويترز للأنباء.

تقول وكالات الأمم المتحدة إن 12.4 مليون إنسان في دول القرن الأفريقي (الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا) التي أصابها القحط والجفاف يعانون نقصا حادا في الماء والغذاء، وهم بحاجة لمعونات طارئة حتى يستطيعوا البقاء على قيد الحياة.

غير أن موجة الجفاف لم تنل من الإنسان وحده بل طالت حتى الحيوانات. ومن عجب أن الإبل التي اشتهرت بقدرتها على تحمل الجوع والعطش باتت هي الأخرى من ضحايا المجاعة في الصومال.

فقد ذكرت مجلة فورين بوليسي الأميركية في عدد يوليو/تموز أن نصف ثروة الصومال من الإبل قد نفقت جوعا وعطشا. وتساءلت كيف للإنسان أن يحيا هناك في وقت عجزت فيه الجمال عن أن تصمد؟

فالجفاف في شرق أفريقيا بات أشبه بحكم الإعدام بحق حيوان يعرف عنه قدرته على البقاء على قيد الحياة دون ماء لعدة أسابيع في ظل أجواء شديدة الحرارة، فكيف بالإنسان الذي لا يستطيع الصمود لأكثر من يوم أو يومين؟

وفي بعض المناطق في الصومال المنكوب، نفقت 80% من المواشي، مما أرغم العائلات لترك ديارهم والنزوح إلى معسكرات اللاجئين المكتظة أصلا.

عوض أن يتنافس الناس في الخيرات ظل دأبهم التسابق نحو دخول موسوعات الأرقام القياسية من أضيق أبوابها حتى بتنا نصحو كل يوم على مسابقة جديدة يفرح القائمون عليها بما حققوه من إنجاز هو في عرف الإنسانية أتفه من أن يحتفى به
ثنائية الجدب والحرب
ولنكن منصفين بعض الشيء ونحن نتحدث عن المجاعة في الصومال. فإن كان شح الأمطار الوجه الأول لموجات القحط والجفاف، فالصراع المسلح الذي دام عشرين عاما بين الفصائل المتناحرة هو وجهها الآخر.

فبينما استبد الجوع والعطش بمناطق كثيرة من البلاد، تتحدث وكالات الأنباء العالمية عن إقدام عصابات مسلحة على نهب الآلاف من طرود المواد الغذائية المخصصة لضحايا المجاعة، وبيعها في الأسواق ليحرموا بذلك ألوف المنكوبين الذين تدفقوا على العاصمة بحثا عما يسدون به رمقهم.

فإذا كان الصوماليون عطشى للماء فإن بلدهم أشد ما تكون ظمأ للسلام بعد أن مزقتها الحرب، وأذاقت شعبها ويلات الجوع والعطش والفقر والجهل والمرض.

وطبقا لإحصائيات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 3.2 ملايين صومالي -أي نصف تعداد سكان البلاد تقريبا- بحاجة إلى معونات غذائية جراء ما أصابهم من قحط شديد زادته الحرب الضروس حدة وتعقيدا.

وتشير تلك الإحصائيات إلى أن 29 ألف طفل دون سن الخامسة قضوا نحبهم بالفعل.

ويقول الأطباء إن أكثر من نصف سكان العاصمة مقديشو يعانون من علة ما، هذا بخلاف أولئك المصابين بأمراض عقلية.

تلك إحصائيات من شأنها أن تبعث على الأسى والحزن العميق، وأن تحرك في النفوس فضائل وقيما إنسانية ظلت كامنة لوقت طويل بعد أن توارت في خضم اللهاث وراء كل ما هو مادي.

وبدلا من أن يتنافس الناس في الخيرات، ظل دأبهم التسابق نحو دخول موسوعات الأرقام القياسية من أضيق أبوابها حتى بتنا نصحو كل يوم على مسابقة جديدة يفرح القائمون عليها بما حققوه من إنجاز هو في عرف الإنسانية أتفه من أن يحتفى به.

أوليس ما يحدث في الصومال يستحق من شعوب العالم وقفة ولو قصيرة فيسارعوا للدخول إلى موسوعة غينيس بجمع أكبر تبرعات عينية أو مالية في التاريخ فيمسحوا بذلك عارا ظل عالقا في جبينهم حينا من الدهر؟

المصدر : يو بي آي,مواقع إلكترونية