الساحة المصرية تشهد استقطابا بين الليبراليين والإسلاميين (الجزيرة)

يوسف الشروف

لو لم تكن الساحة المصرية منشغلة بموجة الاصطفافات السياسية والأيديولوجية الراهنة، لتنبه المصريون الجمعة الفائتة إلى مرور نصف عام على نجاح ثورتهم.

ففي يوم الجمعة 11 فبراير/شباط الماضي، استسلم مبارك لجموع الثوار وغادر سدة الرئاسة بعد نحو ثلاثة عقود من الاستبداد والفساد والانحطاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

اليوم يبدو أن المصريين اختاروا النزول من على "جبل الثورة" لتقاسم غنائم النصر المؤزر قبل أن يستكملوا المعركة -معركة تفكيك نظام مبارك- ودخلوا في صراع على جلد دب لم يصطادوه بعد، فانقسموا بين إسلاميين وليبراليين في موقعة مفتعلة حول طبيعة الدولة وشكلها في حقبة ما بعد الثورة.

التيار الليبرالي يرى أن كتابة الدستور من قبل هيئة يعينها برلمان منتخب سيحولها إلى استحقاق انتخابي، وأن الهيئة التي ستتولى كتابة الدستور ستعكس توازنات القوى داخل البرلمان المنتظر
مبادئ فوق دستورية
دشن هذا الاستقطاب سؤال النخبة السياسية والثقافية عن أيهما يكون أولا الدستور أم الانتخابات؟ ورغم أن النقاش انتهى بغلبة فريق الانتخابات أولا -الذي يقوده الإسلاميون- بموجب نتائج الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية في 19 مارس/آذار، فإن الجدل لم ينطفئ مع بقاء القوى الليبرالية على تململها، وطرحها مؤخرا فكرة "المبادئ فوق الدستورية
".

ما هي المبادئ فوق الدستورية؟ هي صفقات يريد هذا التيار عقدها مع بقية القوى -خاصة الإسلامية منها- على ما تجوز كتابته في الدستور المقبل وما لا يجوز، وهي جملة توافقات حول طبيعة الدولة المنشودة (دينية أم مدنية) ومحددات هوية المجتمع وغيرها، دون أن يكون للمجتمع رأي فيها.

التيار الليبرالي الذي يتبنى هذا الطرح يرى أن كتابة الدستور من قبل هيئة يعينها برلمان منتخب سيحولها إلى استحقاق انتخابي، أي أن الهيئة التي ستتولى كتابة الدستور ستعكس توازنات القوى داخل البرلمان المنتظر، فإذا كانت الغلبة فيه للإسلاميين فستكون الهيئة ذات طابع أو ميول إسلامية وسيكون الدستور كذلك، وهو ما يعني تهميش وإقصاء القوى والأقليات الأخرى.

مثل هذه المبادئ -في نظر هذا التيار- ستكون بمثابة ضوابط وسقوف لا يستطيع أعضاء لجنة صياغة الدستور تجاوزها مهما كانت توجهاتهم السياسية والأيديولوجية، ومهما جمح بهم الخيال، وسيجعل الدستور المنتظر منسجما مع تباينات المجتمع المصري المرتبطة بتعدد طوائفه وتنوع ثقافته وانتماءاته السياسية والفكرية.



محمد البلتاجي قال إن حزبه يريد دستورا توافقيا يراعي مصالح الجميع (الجزيرة)
بدعة سياسية
إلا أن هذه المبادئ في نظر الإسلاميين ومنهم جماعة الإخوان المسلمين وبعض المستقلين "التفاف على إرادة الشعب التي كانت في مقدمة أهداف الثورة، والتي طالما صودرت أو زيفت لعقود طويلة"، كما يقول محمد البلتاجي القيادي في حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين
.

ويضيف البلتاجي -في حديث للجزيرة- أن حزبه يتعهد بألا تكون الهيئة التي ستوكل إليها كتابة الدستور انعكاسا لميزان القوى داخل البرلمان، وأنه "سيشرك في تلك العملية جميع القوى والأقليات"، بما يضمن إخراج دستور توافقي يراعي مصالح الجميع ويحفظ حقوقهم.

ويشارك البلتاجي في موقفه هذا آخرون منهم الخبير في مركز الأهرام للدراسات وحيد عبد المجيد، الذي قال للجزيرة "لا شيء فوق الدستور في الدولة الحديثة"، مؤكدا أن الدستور الذي يتوافق عليه المجتمع هو المرجعية العليا للممارسة السياسية في الدول الحديثة، وتحديد العلاقات البينية في المجتمع الواحد.

ولهذا يرى منظرو التيار الإسلامي أن وثيقة المبادئ فوق الدستورية (أو المبادئ الحاكمة كما يسمونها أحيانا) ما هي إلا "بدعة دستورية وسياسية" تخفي وراءها فشل التيار الليبرالي في طرح مشروع يقنع الشارع المصري، كما تخفي فشله في خلق رافعة شعبية قادرة على إيصاله إلى سدة الحكم.

المصدر : الجزيرة