أوغلو يلتقي الأسد في دمشق الثلاثاء الماضي (الفرنسية)

مصطفى كامل- إسطنبول

لم يسبق أن كان موقف تركيا من سوريا يوما بهذا الوضوح والقوة، ليس لأن صبرها بدأ ينفد كما يبدو فحسب، بل لأن رائحة الدم التي تحملها الرياح من الجوار باتت لا تطاق، وفق وجهة النظر التركية.

أنقرة تحفظت كثيرا في تعليقها على زيارة وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو، لكن الملاحظ أن هذه الزيارة هي آخر خطواتها لتجنب دمشق موقفا دولياً ربما كان بعيدا عن حسابات قادتها، إذْ لم تصدر عن أوغلو سوى تصريحات بروتوكولية عن أمل مرجو في اتخاذ إجراءات لوقف إراقة الدماء في القريب العاجل، وعن كون "الخطوات الواجب اتخاذها في الأيام المقبلة هامة".

انسجام مع واشنطن
الأتراك حسموا أمرهم وصاروا يتحدثون عن القضية السورية بصوت عال وكلمات أقرب إلى الخشونة، بعد أن كانوا خلال أشهر ينتقون كلماتهم بعناية، بينما حمل آخر خطابات رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان تهديدا مبطنا للرئيس بشار الأسد حينما قال له بلغة عربية سليمة "من دقَّ دُقّْ" وهي عبارة تحمل الكثير.

يبدو الموقف التركي الآن أكثر انسجاماً مع الموقف الأميركي والأوروبي، إذ لا يخفى أن التحرك الأخير جاء إثر اتصال هاتفي من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلنتون، وهو ما كاد يثير أزمة طفيفة لأن الأميركيين أظهروا زيارة أوغلو كأنها جاءت تنفيذاً لرغبتهم.

كما جاء إثر اجتماع بين سفير واشنطن لدى أنقرة فرنسيس ريتشارد دوني، ومستشار أردوغان للشؤون السياسية الخارجية إبراهيم كالين.

وأعقبت زيارة أوغلو زيارة شبة خفية للمبعوث الأميركي للشرق الأوسط فريد هوف الذي دلف إلى مقر مجلس الوزراء التركي من الباب الخلفي، حتى لا يلفت أنظار الإعلاميين في الباحة الأمامية.

ولا يخفى حرص أوغلو على تنسيق المواقف وتبادل الآراء مع نظرائه الأوروبيين بعد عودته من رحلته السريعة إلى دمشق.



كل الخيارات
ويبدو أن أردوغان سعى لتأكيد البعد العسكري للوضع، إذ استعرض اجتماع له بوزيريْ خارجيته ودفاعه أوغلو وعصمت يلماز، وبرئيس أركان الجيش الجديد نجدت أوزال، الخطوات المحتمل القيام بها اقتصاديا وسياسيا وأمنيا إذا قرر نظام الأسد مواصلة العنف.

لاجئون سوريون في تركيا (الفرنسية-أرشيف)
وتأثرت العلاقات الاقتصادية التركية السورية بعدم الاستقرار المتزايد في سوريا، وأوقفت بعض المشاريع المشتركة فعلا.

وقال مسؤولون أتراك إن كل الخيارات تُناقَش بما في ذلك إقامة منطقة عازلة في الجزء السوري من الحدود.

موقف المعارضة
وفي حالة لا تتكرر كثيراً، انقسمت المعارضة في موقفها من تحركات الحكومة، فبينما أيدها حزب الحركة القومية، انسجم حزب الشعب الجمهوري مع موقف حزب السلام والديمقراطية الكردي.

وشن زعيم الجمهوري كمال كليجدار أوغلو هجوماً على أردوغان وطاقمه قائلا "لا يمكن للقضية السورية أن تكون شأنا داخليا كما يحاول الطاقم الحكومي تصوير الأمر" وأبدى اعتراضا شديدا على "المسعى الحكومي لتجهيل المعارضة والبرلمان".

وأضاف "العالم كله يعرف وواشنطن تعرف حقيقة التحركات الحكومية، ولكننا في البرلمان لا نعرف شيئا".

أما زعيم السلام والديمقراطية صلاح الدين دميرداش، فتهكم على زيارة أوغلو بالقول "تركيا تقوم بدور ساعي بريد لواشنطن" واعترض على موقف حكومة حزب العدالة والتنمية من الشأن السوري.

لكن الشارع بدا منسجماً مع الموقف الحكومي وهو يرى استمرار سفك الدماء، كما يرى عثمان بهادير دينجير خبير الشؤون العربية بمركز بحوث الشرق الأوسط بمنظمة البحوث الإستراتيجية الدولية.

ويعتقد بينجير أن عدم مبادرة تركيا باتخاذ موقف حاسم جدي سيؤثر على مكانتها العالمية، ويعزلها عن المساعي الدولية لوقف العنف.

ويعدّد خبير الشؤون العربية بعض العوامل المؤثرة على صنع القرار التركي، كتردد المجتمع الدولي والسيناريوهات السلبية حول مستقبل التغيير بسوريا، والتوقعات باستمرار نظام الأسد.

المصدر : الجزيرة