المظاهرات أكبر من القوى والأحزاب السياسية في مصر (الجزيرة)

لقاء مكي-الجزيرة نت

بغض النظر عن الشعارات التي رفعتها مظاهرة الجمعة في ميدان التحرير بالقاهرة، فإن مجرد استمرار القدرة على الحشد المليوني بعد نحو خمسة أشهر من سقوط نظام حسني مبارك يعطي لثورة الشعب المصري طابعا خاصا، أهم ما فيه انحسار المخاوف من الثورة المضادة أو سرقة ما تحقق في ثورة يناير، وهي هواجس سادت خلال الأشهر الماضية قطاعات ليست بالقليلة من المصريين.

وحسب سياسي وناشط مصري تنبأ بالثورة وشارك فيها، فإن القيح الشديد في المجتمع المصري يجعل من إمكانية الحشد الدائم للناس إحدى الظواهر المدهشة لثورة يناير، وهو يؤكد أن النجاح في استقطاب المصريين للحشود المليونية أمر فوق طاقة القوى السياسية مهما كانت، لولا أن الجماهير لديها استعداد وتحفز للخروج إلى الشارع للدفاع عن حقوقها.

عبد الحليم قنديل (الجزيرة)
ويقول عبد الحليم قنديل المنسق العام لحركة كفاية -التي برزت بوصفها أهم الحركات المعارضة غير الحزبية لنظام مبارك- إن شعورا مركبا من الإحباط والقلق والإحساس بتعرض الثورة للسرقة، قد جعل المواطن العادي في مصر مهيئا للاحتجاج وإعلاء الصوت، لا سيما وأن المصريين لم يحملوا مثل هذه المشاعر من الولاء تجاه بلدهم منذ عام 1973.

ويؤكد قنديل للجزيرة نت أن جوهر التغيير الذي أحدثته ثورة يناير يتصل بإشراك الجميع في الهم الوطني العام، لقد أصبح الناس منشغلين بالسياسة وبقضايا الوطن الكبيرة، بعد أن كانوا متقوقعين في همومهم المباشرة فقط، ولذلك فهو -والكلام لقنديل- غير خائف على الثورة، فالناس هم من سيحمونها، ثم يؤكد أن "ثورة يناير ليست الثورة الأخيرة في مصر، إذ ما زالت الآبار ملآنة وتغص".

معركة حول الثورة
لكن مليونية الجمعة خرجت بعد أن اتفقت القوى السياسية والحركات الشبابية على شعارات لا تغضب أحدا منهم، حيث قدم التيار الذي كان يدعو لأسابيع إلى وضع الدستور قبل الانتخابات ما يشبه "التنازل" حينما رفع شعارا بديلا هو "الثورة أولا" لينزع فتيل خلاف محتمل بل وأكيد مع تيار آخر يصر على مبدأ "الانتخابات أولا"، وهكذا سار الأمر بشكل جيد حينما أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أن التخلي عن مطلب الدستور أولا جعلها تقرر المشاركة في المظاهرة.

وبعيدا عن المساجلات السياسية التي تبدو طبيعية ومتوقعة لتحديد خيارات الشعب المصري عقب الثورة، فإن ما يسميها قنديل "المعركة الجارية حول الثورة" ظهر قدر منها داخل ميدان التحرير خلال حشد الجمعة ذاته، فبدلا من منصة واحدة تتشارك فيها كل القوى التي انتظمت في الحشد المطالب بالعدالة والقصاص وتحقيق أهداف الثورة، كانت هناك منصتان، واحدة للأحزاب والقوى السياسية وشباب الثورة، وثانية للإخوان المسلمين الذين لم يشاركوا باعتصام تلا المظاهرة واستمر بعدها.

مليونية الجمعة الماضية أكدت أن مصر لن يستوعبها حزب أو تيار أو جماعة، وكثير ممن شاركوا في الثورة وما تلاها من احتجاجات ليسوا أعضاء في أي قوة سياسية، بل هم مواطنون عاديون وجدوا الظرف واللحظة التي يجهر فيها كل بشكواه ومعاناته وحاجاته من الحرية والكرامة والعدل

وقد يتساءل البعض عن فرص من يسمون بقوى الثورة المضادة، أيا كانت عناوينهم، في التلاعب على الحد الفاصل بين إرادات ثوار يناير وبرامجهم التي بان اختلافها بعد سقوط نظام مبارك، فاستحقاق الانتخابات في سبتمبر/أيلول القادم يقترب، ومعه تتزايد بالطبع فرص التنافس الحاد على السلطة والنفوذ ومصر المستقبل.



واقعة استثنائية
ولن يغامر أحد بالإجابة القاطعة على هذا التساؤل، لكن عبد الحليم قنديل يؤكد "أننا بصدد واقعة تاريخية جديدة، لا علاقة لها بالتصميمات القديمة، نحن في قلب معمل يحدد مصائر هذا النوع من الثورات"، مشيرا إلى أن ثورة يناير حدثت وهي بلا قيادة ولا أيديولوجيا ولا قوة خططت لتسلم السلطة، وهو يعتبر أن كل ذلك جديد واستثنائي، وبالتالي فالتوقعات حول مصير هذه الثورة بما في ذلك العلاقات بين القوى التي شاركت فيها يجب أن تكون استثنائية أيضا.

والاستنتاج الأهم الذي يوحي به كلام قنديل وسواه هو أن مليونية الجمعة الماضية أكدت أن مصر لن يستوعبها حزب أو تيار أو جماعة وحدها، وكثير ممن شاركوا في الثورة وما تلاها من احتجاجات ليسوا أعضاء في أي قوة سياسية، بل هم مواطنون عاديون وجدوا الظرف واللحظة التي يجهر فيها كل بشكواه ومعاناته وحاجاته من الحرية والكرامة والعدل.

كل هؤلاء ليسوا بحاجة لأحد كي يدلهم إلى ميدان التحرير، ومن يدري، فقد يخرج المصريون يوما، لا ليطالبوا المجلس العسكري أو الحكومة بشيء، ولا ليهتفوا ضد بقايا النظام السابق، بل ليقولوا لقوى وتيارات شاركت في الثورة ثم اختلفت بعدها، إن الثورة للمصريين وليست لأحد منهم.

المصدر : الجزيرة