تبدأ المستوطنة ببيوت متنقلة ثم تتحول سريعا إلى بيوت ثابتة (الجزيرة نت)

عاطف دغلس-نابلس

بمساحة تبلغ ضعف عمره خمس مرات أو تزيد، كان الحاج عبد الغني أحمد (77 عاما) يملك أراضي في قريته جالود جنوب مدينة نابلس بشمال الضفة الغربية، قبل أن يصادرها الاحتلال الإسرائيلي منه، فمن أصل ما يزيد على 16 ألف دونم (16 مليون متر مربع) استولى عليها الاحتلال من أراضي القرية البالغة 20 ألف دونم بهدف الاستيطان، صودر أكثر من 400 دونم من أراضي الحاج.

وفي أحد حقوله التقت الجزيرة نت الحاج عبد الغني الذي يعمل جاهدا تحت أشعة الشمس، حيث يسابق الزمن لحصاد محصوله من القمح والشعير بأقصى سرعة، خشية أن يلقى مصيره من الحرق والتدمير على يد المستوطنين.

الحاج عبد الغني يفلح ما تبقى من أرضه وفي أعلى الصورة مستوطنة إحيا (الجزيرة نت)
أول مصادرة
ويقول الحاج عبد الغني إن أول مصادرة بدأت عام 1991، عندما وضع الاحتلال يده على أرض تبلغ مساحتها 50 دونما لإقامة مستوطنة شافوت راحيل، ثم صادر 260 دونما لصالح مستوطنات أخرى، وسرعان ما انفرط عقد المصادرات وصار الأمر سهلا على الاحتلال، فلا يتطلب سوى اقتحام الأرض ليلا، ووضع بيوت متنقلة(كرفانات) فيها.

ورغم مساعي الحاج الفلسطيني القانونية لاسترداد أرضه منذ عشرين سنة، فقد باءت كل محاولاته بالفشل، بل صودرت مساحات أخرى من أرضه، وأصبحت المستوطنات أمرا واقعا على أراضي سكان القرية، رغم امتلاكهم الأوراق الثبوتية.

وعملا بمقولة ما ضاع حق وراءه طالب، فلا يزال الحاج عبد الغني يذكّر أولاده وأحفاده بأرضه، ويطالبهم بالصبر والصمود لاسترجاعها مهما طال الانتظار.

ويشار إلى أن الاستيطان بدأ التهام قرية جالود عام 1975 عبر زرع أول معسكر للجيش هناك أطلق عليه الأهالي اسم "الرادار" لاحتوائه برج مراقبة، ومن ثم امتد الاحتلال ليقيم مستوطنة شيلو عام 1979 التي صودرت من أجلها 500 دونم من أراضي الفلسطينيين، كما أضيفت خمس مستوطنات أخرى هي إحيا وكيدا وعدي عاد وشافوت راحيل وياش كودش.

عبد الله الحج محمد يعرض خارطة المستوطنات السبع (الجزيرة نت)

اعتداءات أيضا
ويقول رئيس المجلس القروي عبد الله الحج محمد إن هذه المستعمرات حولت حياة المواطنين في جالود إلى جحيم، حيث يطارد مستوطنوها أهالي القرية ويؤذونهم.

ويضيف أن عددا من المستوطنات تولّد عن أخرى كبيرة محيطة بها، وهذا يعني أن بضع بيوت متنقلة توضع في أي مكان ستتحول مستقبلا إلى مستوطنة أخرى مستقلة.

وكانت المستوطنات السبع الرئيسة قد أكملت السيطرة على جميع مناطق "سي" الخاضعة لسيطرة الاحتلال الأمنية وفقا لتصنيف الاحتلال حسب اتفاق أوسلو، وعزلت بذلك جالود عن القرى المجاورة، كما فرض الاحتلال تصاريح على المواطنين للدخول إلى أراضيهم.

وضيقت المستوطنات أيضا الخناق على الأهالي وحاربتهم في لقمة عيشهم، حيث انعدمت الأراضي الزراعية، وحتى تلك التي يحاول الأهالي زراعتها يحرقها المستوطنون تارة ويقتلعون أشجارها تارة أخرى.

وأكد الحج محمد أن اعتداءات المستوطنين لم تقف عند المصادرة أو تدمير المحاصيل، بل وصلت حد الاعتداء على الأهالي ومهاجمتهم في منازلهم القريبة من المستوطنات.

رائد الحاج محمد: قلة إمكانيات المواطنين تهدد بالمزيد من المصادرة (الجزيرة نت)
طرق السرقة
ومن جهة أخرى، صادرت إسرائيل ما يزيد على ثلاثة آلاف دونم بدوافع أمنية أو حكومية عبر الإخطار، إلا أن بقية الأراضي (13 ألف دونم) صودرت بالاستيلاء ووضع اليد بالقوة، عبر المستوطنين وجيش الاحتلال وبحجج واهية.

ولم يدخر المواطنون جهدا –حسب الحج محمد- في الدفاع عن أراضيهم بالطرق القانونية، إلا أن تعقيدات المحاكم الإسرائيلية ومتطلباتها لإثبات ملكية الأراضي ضاعفت المشكلة، لعدم منح المواطنين الوقت الكافي سواء بإحضار الأوراق أو بفترة الاعتراض.

ورغم أن القرية عقدت عام 1996 أول مؤتمر شعبي لمواجهة الاستيطان بالضفة الغربية بحضور مسؤولين وسياسيين، فإن هذه الجهود راوحت مكانها منذ ذلك الحين، ولم تلق ما يكفي من تضافر الجهد الشعبي والرسمي.

وأكد على ذلك رائد الحج محمد وهو منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الاستيطان بالقرية التي أنشئت مؤخرا لحماية المواطنين وما تبقى من أرضهم.

وأشار رائد في حديثه للجزيرة نت إلى أن الأهالي خرجوا في مسيرات رافضة للاستيطان عدة مرات، لكن وجود الجيش وفّر الحماية الكاملة للمستوطنين، مبينا أن هذا الدعم غير المحدود من الجيش يهدد "بضياع بقية القرية" نظرا لقلة إمكانيات المواطنين، خاصة أن الاحتلال لم يضع أي سياج يحيط بالأراضي المصادرة مما يعكس حقيقة أطماعه.

المصدر : الجزيرة