عبد العظيم الشيخ

لم تشهد البشرية في تاريخها فوارق في نمط الحياة مثلما تشهده اليوم، فالبون بات شاسعاً ما بين شمال غني قوي سعيد، وجنوب فقير ضعيف شقي. غير أنه ما من فارق أشد إيلاما من ذلك الذي يفصل المتخمين والجياع، أو قل ما بين المترفين والمحرومين، أو الظالمين والمظلومين في هذا العالم.

ففي أوروبا على سبيل المثال، يحتفل الإسبانيون كل عام ولمدة أسبوع كامل بمهرجان الطماطم وهو الأكبر من نوعه في العالم حيث يتراشق أكثر من أربعين ألف شخص في مقاطعة فالنسيا بالطماطم فيتلفون في معاركهم الهزلية تلك نحوا من مائة طن منها.

وفي سويسرا مهرجان للبصل يقام في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، يتفنن فيه المشاركون في تصميم أشكال فنية بديعة من البصل.

وفي هولندا وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية مهرجانات متنوعة للخضراوات والفواكه والحلويات لا تجد معروضاتها في كثير من الأحيان من يأكلها.

ولكي لا نظلم الغرب وحده، فإن للعرب نصيبا أيضا في إبراز مظاهر الترف والبذخ. فالناس في العالم العربي مولعون بالدخول في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، ولأنهم لا حظ لهم في دنيا العلوم والتكنولوجيا والاختراعات فقد وجدوا في أنواع الأكل ضالتهم، فبرعوا في صنع أكبر طبق بقلاوة، وأكبر صينية كبة، وأكبر سلة فواكه، وأكبر قِدْرة فول وغيرها.

إسبانيون يسبحون في بحر من الطماطم (رويترز)
بدانة وجوع
كل ذلك والناس مشغولون بالترفيه عن أنفسهم بشتى الوسائل حتى لو كانت إهدار الطعام والشراب، بينما يهلك ملايين الجياع في أفريقيا لأنهم لا يجدون ما يسد رمقهم ويُطفئ ظمأهم.

على أن الفوارق بين البشر تتجلى أكثر ما تتجلى في القرن الأفريقي وفي الصومال على وجه التحديد، حيث يبست الزروع وجفت الضروع فهامت النسوة والأطفال والشيوخ على وجوههم طلبا لكسرة خبز أو جرعة ماء دون جدوى.

وليس من وصمة في جبين إنسان القرن الحادي والعشرين أشد عاراً من تلك المناظر التي تبثها شاشات التلفزة للجياع في أفريقيا وقد نخرت أمراض سوء التغذية عظام أطفالهم وماشيتهم التي فيها معاشهم.



وإن تعجب فلك أن تعجب مما جاء في تقرير نشرته منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو) في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

فقد ورد في ذلك التقرير أن الجفاف والحرب في شرق أفريقيا خلفا أكثر من عشرين مليون شخص وهم في حاجة ماسة للمعونات الغذائية الطارئة.

وأضافت أن 6500 شخص يموتون يوميا في أفريقيا بسبب الجوع، وأن مائة مليون طفل يعاني من الجوع في هذه القارة الغنية بالثروات.

ومن المفارقات التي أظهرها التقرير أن أعداد البدن في العالم تجاوز الآن المليار نسمة، وهي نفس أعداد من يعانون من سوء التغذية.

فن تشكيلي من البصل
وتطابقت نتائج دراسة حديثة أخرى


نشرتها مجلة "لارنست" الطبية مع تقديرات فاو، حيث أظهرت أن واحدا من بين كل ستة أشخاص في العالم يعاني من السمنة.

وأضافت الدراسة أنه رغم التقدم الذي أحرزته الخطوات التي اتخذتها الدول الغنية في خفض نسب الإصابة بارتفاع ضغط الدم والكوليسترول فإن عدد المصابين بالسمنة ارتفع من 600 مليون عام 1980 إلى مليار شخص في العالم عام 2008 مدعوما بارتفاع عدد السكان حول العالم وارتفاع عدد المسنين.

وقد باتت السمنة أو البدانة وباء يستشري كما الأمراض المعدية. فقد كشف عميد كلية التمريض في جامعة الدمام الدكتور محمد بن محمود حجازي أن نسبة السمنة في دول الخليج العربي وصلت إلى 60%.

وليس أدل على مظاهر الترف والبذخ في بعض الدول من تلك التقارير الإخبارية التي بثتها وسائل الإعلام مؤخرا من هونغ كونغ، حيث تُنظم دورات لتدريب الكلاب على رياضة اليوغا من أجل مساعدتها على تحسين أداء جهازها الهضمي على امتصاص الطعام بسهولة.

هو العالم إذاً بتناقضاته وفوارقه، وبأفراحه وأتراحه، وبمهرجاناته ومآسيه. لكن ما يغفله الساسة وصناع القرار أو يتغافلون عنه هو أن الجوع كافر، وأن تداعياته قد تطال المترفين في الأرض في شكل هجرات جماعية وفردية من دول الفقر والعوز إلى دول الترف والبذخ، أو في صورة أعمال عنف وإرهاب، أو في أضعف الإيمان في غل وحسد وحقد يملأ صدور المعوزين وقد يجد تجليأً له بطريقة أو بأخرى.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية