جمعيات حقوقية تلقي بمسؤولية زواج القاصرات على التقاليد القبلية بالسعودية (الأوروبية)

ياسر باعامر-جدة

حالة من الشد والجذب العلنية تدور رحاها هذه الأيام في المملكة العربية السعودية، بين مؤسساتها الشرعية الرسمية الأولى ممثلة في المؤسسة الدينية الرسمية "هيئة كبار العلماء"، ووزارة العدل، على خلفية استصدار نظام يحدد سن زواج السعوديات يمكن أن يكون ساريا خلال الفترة القريبة المقبلة.

فإشكالية "تزويج القاصرات" في السعودية ليست وليدة اللحظة بل هي امتداد لجدل حقوقي وإعلامي وشرعي ورسمي منذ ما يقارب الأربع سنوات، لكنها لم تتجاوز مربع المناقشة الإعلامية العلنية.

وتعد الطفلة "عنيزة" التي لم تكمل عشرة أعوام أشهر قضية في عالم تزويج الصغيرات بالسعودية، حيث تزوجت برجل يكبرها بخمسين عاماً.

وفشلت الجهود الحقوقية في حينها في تطليقها، فيما نجحت نجاحاً محدوداً في تخليص أخريات خضعن لمثل تلك التجربة.

وتُلقي جمعيات حقوق الإنسان المسؤولية في تلك الزيجات على عاتق التقاليد القبلية السائدة في بعض مناطق السعودية، وقدمت أكثر من مبادرة لمنع ذلك، وطالبت الجهات الرسمية بعدم تزويج أي فتاة يقل عمرها عن 18 عاماً.

النظام المرتقب
وقال مصدر مطلع في وزارة العدل السعودية فضّل عدم ذكر اسمه، إن أهم بنود النظام الجديد لتقنين زواج السعوديات القاصرات هي إعطاء القضاة -بالدرجة الأولى- ومأذوني الأنكحة -بالدرجة الثانية- صلاحيات واسعة في عدم إتمام زواج الصغيرات والقاصرات إذا ما كان الفارق بين الزوجين كبيراً، بالإضافة إلى صلاحيات فسخ أي عقد لزواج القاصرات ترى الضرورات الشرعية فسخه بناء على معايير الفرق السني بين الزوجين أو حتى يتثبت القاضي من طريقة تزويج القاصر أو الصغيرة.

إشكالية "تزويج القاصرات" في السعودية ليست وليدة اللحظة بل هي امتداد لجدل حقوقي وإعلامي وشرعي ورسمي منذ ما يقارب الأربع سنوات، لكنها لم تتجاوز مربع المناقشة الإعلامية العلنية
وأضاف المصدر العدلي أن من ضمن الدراسة الحالية للنظام التي لم يتم إقرارها بعد نقل صلاحيات التزويج من ولي أمر الفتاة القاصر إلى القاضي إذا ثبت للقاضي إكراه الأب ابنته القاصر على الزواج بأي طريقة كانت.

تقول روضة اليوسف، وهي ناشطة توعوية "إن الأمر ليس ظاهرة مجتمعية بل هي حالة فردية، وعلى العموم فإننا نرفض جميع أشكال إكراه الفتيات على الزواج لتنافيه مع الحقوق الشرعية.

غير أن اليوسف -التي تعمل أيضاً منسقة إرشاد أسري- وصفت المطالبين بسن مثل هذا النظام وتحديد السن لزواج الفتيات بأنهم "ضمن خيوط التغريب بالمملكة".

وقالت "إن القوانين الغربية تسمح للفتيات تحت سن 18 عاماً بممارسة الإباحية للإشباع الجنسي، في المقابل إذا ما كانت هناك فتيات أعمارهن مثلاً 14 عاماً وراغبات بالزواج فما الضير في ذلك أن يتم بطريقة شرعية ومن دون إكراه".

وأطلقت الكاتبة فوزية الخليوي رواية في مارس/آذار الماضي بعنوان "نساء العتمة" تناولت فيها قضية زواج القاصرات في السعودية، وهي التي سبق أن تقدمت بمبادرة في يناير/كانون الثاني 2010 لمجلس الشورى لمنع تزويج القاصرات في المملكة وذكرت 11 سبباً لوقفها.

قرار ملزم
من جانبه كشف عضو مجلس الشورى وأستاذ الشريعة الدكتور حاتم العوني أن توصية جديدة رفعها المجلس في مايو/أيار الماضي واصفاً إياها "بالقرار الملزم" لمجلس الوزراء ومنه لجهة الاختصاص (وزارة العدل) باستصدار نظام لتقنين زواج الصغيرات أو القاصرات.

وأكد العوني أنه ليس الهدف من النظام المنع المطلق أو السماح المطلق بقدر ما هو وقف المتاجرة بزواج الصغيرات من قبل ذويهن، نافياً ما تتناوله وسائل الإعلام من أن المجلس حدد في توصيته سناً معينة لزواج السعوديات.



الهدف من تحديد سن الزواج ليس المنع المطلق أو السماح المطلق بقدر ما هو وقف المتاجرة بزواج الصغيرات من قبل ذويهن، ومجلس الشورى لم يحدد سناً معينة لزواج السعوديات
ولم يتوقع العوني -الذي يعلم جيداً خارطة مجتمعه الشرعي المحلي وتبايناته المختلفة- أن تعطي هيئة كبار العلماء موافقتها ومباركتها للنظام الجديد خاصة أن بعض أعضائها يرون فيه "المنع المطلق"، على حد تعبيره.

وقال -متحدثاً بلغة سياسية- إن آراء الهيئة ليست ملزمة بل استشارية، أما قرار وزارة العدل فهو ملزم ومن صلاحياتها المباشرة "خاصة إذا كان المسؤول عن الوزارة الدكتور محمد العيسى، العضو بهيئة كبار العلماء".

معارضة رسمية
ويبدو أن هناك حالة انقسام واضحة في كيان المؤسسة الشرعية الرسمية ظهرت تجلياتها في موافقة بعض أعضائها على تقنين زواج الصغيرات مثل الدكتور عبد الله بن منيع وغيره واتخذوا من المذهب الحنفي استدلالاً شرعياً يجيز تحديد سن الزواج المعمول به في أغلب القوانين الوضعية.

ورغم تلك الموافقة الجزئية يظل الفريق الأقوى في المؤسسة ومن يرسم ملامح المشهد الشرعي في هذه القضية غير موافق إطلاقاً.

ففي منتصف يوليو/تموز الجاري أصدر العضو الأبرز والأقوى في الهيئة الشيخ صالح الفوزان بياناً شرعياً وجهه للمؤيدين لتحديد سن زواج الفتيات. وجاء في البيان "يجب على هؤلاء الذين ينادون بتحديد سن الزواج أن يتقوا الله ولا يخالفوا شرعه أو يشرعوا شيئاً لم يأذن به الله، فالحكم لله عز وجل، والتشريع حق له سبحانه لا يشاركه فيه غيره".

وبلور الفوزان في ذلك البيان رؤيته الشرعية الاستشهادية بأنه "ليس في الشريعة ما يحدد السن الذي تُزوج فيه الفتاة، وأن السن في الزواج لم يقيد بحد معين لا في البكر ولا في الصغير، وأن الكتاب والسنة يدلان على ذلك، وليس لأحد أن يشرع غير ما شرعه الله ورسوله لأن فيه الكفاية".

ولم يذهب بعيداً مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ عن الفوزان الذي تحدث في أكثر من موقف إعلامي أجاز فيه زواج الصغيرات من سن العاشرة إذا ما كانت قابلة للزواج.

المصدر : الجزيرة