اعتصام الإعلاميين في مدخل التلفزيون المصري يحتج على قيادات (فاسدة) (الجزيرة نت)

لقاء مكي-القاهرة

إعلاميون ومثقفون كثر في مصر يعتقدون أن الثورة لم تصل إلى الإعلام، وهم لذلك يرون أن هذا الإعلام ما زال جزءا من الماضي، وأنه يسعى للسيطرة على الثورة وامتصاص زخمها بل إجهاضها.

والإعلام المصري كيان عريق وضخم، يضم العشرات من الصحف والقنوات التلفزيونية الرسمية أو الخاصة، وهو يتعامل مع الشعب المصري الشغوف بوسائل إعلامه الوطنية، ويتعاطى مع سوق إعلاني ضخم بلغ حجمه نحو 708 ملايين دولار في النصف الأول من العام 2010 فقط، متفوقا على دبي التي عرفت بالسيطرة على سوق الإعلان العربية.

ويتهم هذا الإعلام لا سيما الرسمي أو (القومي) منه بتسويق نظام مبارك طيلة عقود حكمه وتشجيعه على التغول بالشكل الذي وصل إليه فسادا وقمعا، كما يذكر المصريون ومعهم ملايين المشاهدين العرب، كيف أن قنوات مصرية حكومية خاصة كانت تسخر من الثورة والثوار وتروج للروايات الرسمية.

وهم يذكرون أيضا أن مذيعين ومقدمي برامج حوارية من (النجوم) تطوعوا للدفاع عن مبارك ونظامه ومهاجمة الثورة، قبل أن يغيروا نبرة الحديث بالكامل بعد تنحي مبارك، بل يقدم بعضهم نفسه على أنه من داعمي الثورة، وكأن الناس من دون ذاكرة.

لكن تبديل النبرة وتغيير البعض لجلودهم لم يكن هو أسوأ ما في المشهد بعد الثورة حسب إعلاميين مصريين، فهم يتهمون الإعلام المصري القومي ذو الحجم والإمكانات الضخمة بمحاولة إخفاء معالم فساد النظام السابق والتهوين من جرائمه، والحرص على عدم مهاجمته.

توجيهات

 هالة فهمي: الخطاب الإعلامي لم يتغير (الجزيرة نت)
ويتحدث هؤلاء الإعلاميون عن صدور توجيهات بعدم استخدام عبارة الرئيس المخلوع في الإشارة لمبارك وتحاشي الإساءة له أو السخرية منه، حتى إن  قناة النيل الثقافية الرسمية قطعت برنامجا على الهواء يوم 19 يونيو/حزيران، لأن الشاعر الضيف كان يقرأ قصيدة يسخر فيها من مبارك.

وبعض هؤلاء الإعلاميين عرفوا بمشاركتهم الفاعلة في الثورة، ومن أمثال هؤلاء المذيعة هالة فهمي التي غامرت بمستقبلها المهني بل بحياتها، حينما نزلت إلى ميدان التحرير مع الثوار، ووضعت على صدرها لوحة مكتوبا عليها شهادة منها بأن أنس الفقي وزير الإعلام السابق من الداعمين للبلطجية الذين هاجموا الثوار.
 
لكن المذيعة هالة لم تطمئن بعد نجاح الثورة، فهي تشكو للجزيرة نت من أن الخطاب الإعلامي لم يتغير، لصدور أوامر بعدم التحدث عن الثورة، وعدم عرض أي مشاهد في التلفزيون حول ما جرى أثناء الثورة في ميدان التحرير أو مناطق مصر الأخرى، لا سيما موقعة الجمل، وأكدت أن أي مذيع يتحدث عن الثورة يوقف عن العمل.

استبعاد
وتؤكد أن الثوار أو مناصريهم  يجري استبعادهم من دائرة القرار داخل المؤسسات الإعلامية، والعاملون منهم في التلفزيون المصري مثلا هم الآن في دائرة العزل والتهميش، وبعضهم حول بالفعل إلى النيابة بتهم التحريض على التمرد وتعطيل العمل.

وتضيف أنها وزملاءها نظموا اعتصاما في مدخل مبنى التلفزيون (ماسبيرو) احتجاجا على تعيين قيادات إعلامية وصفتها بـ(الفاسدة)، بديلا عن قيادات الإعلام في زمن مبارك، وأشارت وهي تتحدث من مقر الاعتصام إلى أن الثوار مشغولون بالأحزاب والمشكلات السياسية، ولم يمنحوا اهتماما كافيا للقضية الأساسية المتمثلة بالقيادات الإعلامية، ومضت إلى أبعد من ذلك بقولها إن الثوار أخطؤوا حينما لم يدخلوا مبنى التلفزيون ويضعوا له قيادات من بينهم حينما كان بمقدورهم ذلك أيام الثورة.

شكوى من استبعاد مؤيدي الثورة من دائرة القرار الإعلامي (الجزيرة نت)

لكن الإعلامية المصرية تعترف أيضا بأن من كان مكلفا بترشيح قيادات إعلامية جديدة سألها وزملاءها لتقديم خيارات مناسبة، وهو ما لم يفعلوه على أساس أنه ليس من اختصاصهم، فكان ذلك الموقف بتقدير البعض ردا خاطئا، وربما مؤشرا على أن الثوار لم يمسكوا بعد سقوط النظام بزمام المبادرة، ويفرضوا أسماء القيادات التي يرونها مناسبة للمرحلة الجديدة.

ويبدو أن جزءا من هذا الموقف ارتبط بترفع الثوار أو زهدهم بالمناصب، وكذلك بغياب منهج محدد لثوار يناير خاص بالسلطة الجديدة وهويات رجالها في الإعلام وغيره، فهم أصلا لم يتوقعوا نجاح الثورة، ولم يكونوا بالأساس تنظيما موحدا يسعى للسلطة.

والحاصل أنه تم تنظيم وسائل الإعلام واختيار قياداتها من قبل المجلس العسكري الذي كان عليه أن يملأ الفراغ حسب رؤيته، وجرى تعيين شخصيات قد لا يكون عدد منها جزءا من منظومة الفساد في عهد مبارك، لكنها أيضا ليست من بين قوى الثوار أو رغبتهم بالتغيير العميق لوسائل الإعلام.

ويقر الإعلاميون المصريون مثل هالة فهمي بـ"النجاح في تغيير شخصيات كثيرة" داخل قنوات التلفزيون المصري، وهو ما ينطبق أيضا على الصحف القومية التي جرى أيضا استبدال معظم قياداتها، لكن هاجس الشعور بالخطر يستمر، بسبب إحساس بتهميش أشخاص شاركوا في الثورة عن دوائر القرار، أو المسؤولية أو بسبب تناول الأحداث الذي يبدو مهنيا، لكنه اقل من الطموحات (الثورية) لمن صنعوا الثورة وكانوا ينتظرون شيئا أبعد بكثير من مجرد تعديلات في المناصب أو تغييرات سطحية في المضامين.

المصدر : الجزيرة