عوض الرجوب-الخليل

بحجم ما تتعرض له مدينة الخليل، وخاصة البلدة القديمة منها، من محاولات تهويد، فإن السكان يتمتعون بإرادة عالية لمواجهة هذه المحاولات، وصد إغراءات الأموال والشيكات المفتوحة وبيع البيوت والعقارات.

وتتبنى لجنة إعمار الخليل -وهي لجنة رسمية فلسطينية ممولة عربيا وأوروبيا- برامج عديدة تساعد في إبقاء السكان وتثبيتهم من أهمها ترميم المساكن والشوارع والأسواق وإعادة تأجيرها دون مقابل مادي.

وتنقسم مدينة الخليل وفق الاتفاق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى قسمين: الخليل 1 وتخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية، والخليل 2 التي بها خمس بؤر استيطانية وتضم البلدة القديمة وهي تخضع لسيطرة إسرائيلية تامة.

صمود السكان أعاد الحياة للبلدة
القديمة في الخليل (الجزيرة نت)
أطول حصار
تعيش ست أسر من عائلة دعنا، تعدادها خمسون فردا، حياة قاسية في منزلها الذي زحفت إليه مستوطنة كريات أربع، ويُفرض عليها حصار تام أيام الجمعة والسبت، فيما تضطر باقي الأيام لاستخدام طرق وعرة للتنقل.

قُدمت للعائلة عروض كبيرة بمبالغ طائلة وشيكات مفتوحة من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال وبلدية كريات أربع لمغادرة البيت، لكن حبّ الأرض وإرادة البقاء كانت أقوى، كما يقول كايد دعنا أحد ستة أشقاء زحفت المستوطنة نحو مساكنهم.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن معاناة عائلته بدأت أوائل سبعينيات القرن الماضي مع إقامة معسكر لجيش الاحتلال حيث بدأ مسلسل ابتلاع الأراضي، مضيفا أن المستوطنين عرضوا على والده آنذاك شيكات مفتوحة مقابل ترك منزله، ثم استخدموا معه القوة بقصف مدخل البيت، لكنه رفض.

وقال إن احتلال منزل عائلته يتيح للاحتلال الاستيلاء على مئات الدونمات من الأراضي وتوسيع مستوطنة كريات أربع حتى تصل قلب الخليل.

ومن أبرز المحطات التي يستذكرها دعنا في رحلة معاناته الطويلة، الترغيب والترهيب في إحدى ليالي عام 1982 حيث أطلق عليهم المستوطنون ثماني قنابل يدوية وهددوهم بالقتل إذا لم يرحلوا، وعرضوا عليهم بيع المنزل بمبالغ كبيرة.

مستوطنة كريات أربع (خلف) زحفت
بمحاذاة منزل عائلة دعنا (الجزيرة نت)
وهنا يستذكر كايد شجاعة أصغر أشقائه في حينه الذي رد على تهديدات رئيس بلدية كريات أربع بالقول إنهم لا يستيقظون بأصوات القنابل الصغيرة، وإن عليهم إحضار قنابل أكبر، مما خيب سعيهم.

سيرا على الأقدام
المحطات السابقة كانت نزهة بالنسبة لهذه العائلة مقارنة مع الأيام التي تبعت عملية شارع واد النصارى في قلب الخليل عام 2002 والتي خلفت 12 قتيلا من المستوطنين وجيش الاحتلال.

وهنا يؤكد دعنا أن العائلة ظلت محاصرة لمدة 28 يوما لا تستطيع فتح نوافذ المنزل، ولم تتمكن أية مؤسسة من الوصول إليهم طوال هذه المدة، مضيفا أن الحصار اشتد بعد هذه المرحلة وبقي للمنزل مدخل واحد يتحكم جنود الاحتلال في فتحه وإغلاقه.

وأضاف أن العائلات الست التي تقطن البيت تضطر لنقل المياه والمؤن لمسافات طويلة سيرا على الأقدام بسبب منع الاحتلال السيارات من الوصول للبيت، ومع ذلك شدد على أن تراب أرضه لا يُقدّر بثمن ولن يتنازل عن ذرة منه.

ورغم إشادته بمساندة مؤسسات محلية بينها بلدية الخليل ولجنة إعمار الخليل، يشكو دعنا من غياب المستوى السياسي الرسمي وعدم وجود برامج للحكومة أو السلطة لتثبت السكان وتشجيعهم على البقاء.

شمع البيت
وفي قلب الخليل، وتحديدا في سوق القصبة، يقع منزل الحاج محمد صادق اقنيبي، وعلى بعد أمتار احتل المستوطنون منزل أحد جيرانه وحوّلوه إلى بؤرة استيطانية اسمها "أبراهام أبينو".

جانب من البلدة القديمة في الخليل (الجزيرة نت )
لا يكاد المسن الفلسطيني يهنأ في بيته، فتارة يتعرض للرشق بالحجارة والقاذورات من البؤرة الاستيطانية، وتارة يتعرض منزله لاقتحام من قبل الجيش الذي كثيرا ما يعيث فيه فسادا.

ولم تتوقف معاناة المواطن الفلسطيني على فترات حظر التجول الطويلة التي تعرض لها سكان البلدة القديمة في بدايات انتفاضة الأقصى، بل لا تزال عرضة للترغيب والترهيب بهدف إجباره على ترك منزله التاريخي.

ويستذكر اقنيبي لحظة محاصرة منزله في مارس/آذار 2008 حين اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال منزله وأخرجت الأثاث والمتضامين الأجانب منه، وقامت بشمع أبوابه الداخلية بالأكسجين، ثم اعتقاله لأربعة أيام.

وأكد أنه تلقى عروضا مغرية من جيش الاحتلال وحاخامات المستوطنين بإخلاء البيت مقابل حصوله على هوية إسرائيلية أو مليون دولار ثم بالمبلغ الذي يطلبه، لكنه رفض ذلك "لأنها أرض الآباء والأجداد ولا تقدر بثمن".

وأوضح أنه لو استسلم للضغوط وغادر منزله لأصبحت منطقة سوق القصبة يهودية ومستباحة من قبل المستوطنين، وبالتالي السيطرة على جزء مهم وحيوي من قلب الخليل.

ورغم تجربته القاسية وإرادته القوية، يشتكي اقنيبي من غياب المسؤولين الفلسطينيين عنه وعدم زيارة بيته، مطالبا بمزيد من المواقف الداعمة لسكان البلدة القديمة لحمايتها من التهويد.

كايد دعنا يعاني أذى المستوطنين
منذ أربعة عقود (الجزيرة نت)
عودة الآلاف
من جهتها تتبنى لجنة إعمار الخليل برامج لترميم المباني وتشجيع المواطنين على العودة إلى منازلهم أو استقطاب سكان جدد، وإعفائهم من الكهرباء والمياه والضريبة، وتوفير تأمين صحي مجاني لهم وسلة غذائية شهرية، حسب المدير الإداري للجنة عماد حمدان.

وأوضح أنه يتم استشارة مالكي المباني قبل ترميمها، وإذا لم تكن لديهم رغبة في العودة يتم تأجيرها بالمجان لغيرهم مدة خمسة أعوام، مشيرا إلى عودة نحو خمسة آلاف وخمسمائة شخص، ونجاح التصدي لمحاولات التهويد والضغوط التي مارسها الاحتلال بأشكال مختلفة.

وتستند اللجنة في تنفيذ برامجها على تمويل عربي خاصة من دول الخليج، وعدد من الحكومات الأوروبية.

المصدر : الجزيرة