جسر البوسفور من الجهة الآسيوية (الجزيرة نت)

عدي جوني-إسطنبول

تبقى تركيا دولة آسيوية بالمقارنة مع مساحة الجزء الأوروبي منها، وهذا على الأرجح هو الذي أفرز مسألة الهوية وشكل ملمحا جدليا أكثر حدة مع رفض بعض الدول الأوروبية انضمام أنقرة بتاريخها العثماني إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يتفق الأتراك على أن الرفض يستند إلى حساسية ثقافية بالدرجة الأولى.

قلائل من يعرفون أن لتركيا جسرين يصلانها بأوروبا عبر إسطنبول، الأول يقع قرب القلعة التي دشنها السلطان محمد الفاتح الذي أسقط الدولة الرومانية والبيزنطية، والثاني الجسر المعروف باسم جسر البوسفور، وكلاهما من الناحية الجغرافية والتاريخية يشكل الرابط بين تركيا وأوروبا، وبالتالي الجسر المادي الذي يجعل تركيا قابلة بالمنطق الجغرافي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ورغم ذلك تبدو مسألة الانضمام هذه بالنسبة لمعظم الأتراك مؤجلة مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية التي ستجرى يوم الأحد المقبل، حيث يتفق المراقبون على أن المعايير التي يضعها الاتحاد باتت تتجاوز الواقع الفعلي لتركيا.

قورو أوغلو: الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي غائب عن الانتخابات المقبلة (الجزيرة نت)
موضوع مؤجل
وفي هذا السياق، يقول برهان قورو أوغلو أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة باهشة شهير في الجزء الأوروبي من إسطنبول إن مسألة الانضمام لا تشكل ورقة ناخبة في اقتراع الأسبوع المقبل لعدة أسباب، أولها أن لدى الناخب التركي قضايا ملحة تتقدم على هذه المسألة دون أن تلغيها، حتى في البرامج الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الحاكم من جهة والمعارضة من جهة أخرى.

ويضيف قورو أوغلو -المعروف بصلته القوية بحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان- أن تركيا ليست مستعجلة ولديها من البدائل الإستراتيجية الكبيرة التي تغنيها عن الاتحاد الأوروبي وتمتد على رقعة جغرافية تصل إلى الوطن العربي وأفريقيا.

ويعتبر أن شعار الحملة الانتخابية لأردوغان "الهدف جاهز 2023" تضع في حسبانها مسألة الانضمام إلى الاتحاد، ولكن ليس بالشروط الأوروبية التي ترى في تركيا عبئا، لأن هذا الواقع تغير بفعل التنمية الاقتصادية والنفوذ الإقليمي في المنطقة.

وأكد في حديثه للجزيرة نت "لم تعد تركيا تلك الدولة التي يعرفها الأوروبيون قبل عشر سنوات، بل باتت في المعيار الاقتصادي أفضل من دول دخلت بالفعل في الاتحاد مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا".

وختم قورو أوغلو حديثه بالقول إن المسألة تتعلق بالحساسيات الثقافية لدى الجانب الأوروبي بسبب الهوية الإسلامية لتركيا، مشيرا إلى أنه من العبث تحميل هذه المسألة على حزب العدالة والتنمية لأنه عمل على ترسيخ مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية، وهي الشروط التي كان يطالب بها الاتحاد الأوروبي.

الجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول (الجزيرة نت)
الهوية باقية
من جهتها قالت الصحفية التركية في جريدة "حريت" والمتخصصة في الشؤون الخارجية والدبلوماسية بارجين ينانيش إن هناك اتفاقا عاما بين جميع الأحزاب السياسية على مسألة الانضمام لكونها تشكل نقلة نوعية في تاريخ تركيا الحديث، ولكن ليس بالمعنى الأوروبي، أي أن تركيا هي من تكون مصدر قوة للاتحاد وليس العكس.

بيد أن الصحفية التركية -المحسوبة على التيار العلماني- استدركت وأكدت في حديثها للجزيرة أن المسألة من الجانب الأوروبي قضية ثقافية بالدرجة الأولى بسبب الهوية الإسلامية لتركيا، وهذا بحد ذاته يرى فيه الأتراك إجحافا لأنه من غير المقبول أن يتنازل المرء عن هوية ثقافية ومكون روحي جمعي استمر قرونا عديدة من أجل الخضوع لشروط تكتل إقليمي مهما كانت أهميته.

واتفقت مع قورو أوغلو على أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لن يكون حاضرا في الانتخابات البرلمانية المقبلة، لكنه سيبقى منتظرا على جسر البوسفور حتى تفتح البوابات أمامه للوصول إلى المحطة النهائية.

المصدر : الجزيرة