تتناقض الروايات الرسمية الباكستانية حول نية الجيش القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق في شمال وزيرستان، وعلى نحو يعكس قناعة القيادة السياسية بأن العملية محفوفة بالمحاذير الأمنية التي لا يمكن الاستهانة بها في الوقت الراهن.
 
فبعد إعلان مصادر رسمية باكستانية نية المؤسسة العسكرية شن هجوم على شمال وزيرستان في منطقة القبائل المتاخمة للحدود الأفغانية، نقل أمس الخميس عن قائد القوات المتمركزة في بيشاور اللواء آصف ياسين مالك نفيه القاطع بأن العملية وشيكة الحدوث.
 
وفي معرض قراءته لهذه المستجدات، لفت معهد ستراتفور الأميركي للدراسات الاستخباراتية إلى أن القوات الباكستانية في منطقة بيشاور هي المسؤولة عن العمليات العسكرية في إقليم خيبر بختون خوا ومناطق القبائل التابعة للإدارة الاتحادية مباشرة.
 
وينبه التقرير إلى أن اللواء مالك تحدث بدلا من ذلك عن هجوم واسع في كرام الواقعة شمال وزيرستان من أجل تطويق الجماعات المسلحة، في إشارة إلى حركة طالبان باكستان والفصائل الموالية لها.
 
ويضيف التقرير أن الأنباء الأولى عن العملية العسكرية الباكستانية المرتقبة تسربت إلى وسائل الإعلام يوم 30 مايو/أيار الماضي نقلا عن مصادر عسكرية رفيعة المستوى، مع العلم بأن هذه العملية كانت ولا تزال مطلبا أميركيا رئيسيا تلح فيه الولايات المتحدة على باكستان لحماية حدودها مع أفغانستان والتي تعتبر المنطلق الرئيسي للعمليات التي تستهدف القوات الأجنبية في ذلك البلد.
 
وبحسب وسائل الإعلام نفسها، ذكرت مصادر عسكرية أن العملية ستستهدف بالدرجة الأولى تنظيم القاعدة والمقاتلين الأجانب وحركة طالبان باكستان.
 
طبيعة العملية
وانطلاقا من هذا الارتباك في التصريحات، يلفت تقرير ستراتفور إلى أن شمال وزيرستان في منطقة القبائل المتاخمة للحدود الأفغانية الباكستانية التي لم يشهد عمليات للجيش بريا أو جويا، رغم أن حالة التوتر الأمني في المنطقة كانت ولا تزال في تصاعد مستمر منذ سنوات.
 
بيد أن إسلام آباد -والكلام لستراتفور- لم ترغب في الظهور كأنها تنفذ أمرا أميركيا مباشرا، بل أكدت أن عملياتها في وزيرستان تأتي في إطار المصلحة القومية للبلاد على خلفية تزايد العمليات التي تبنتها حركة طالبان لاسيما ضد الجيش، مع احتفاظ القيادة العسكرية الباكستانية بتوقيت وحجم العملية المراد القيام بها.
 
وينقل تقرير ستراتفور عن مصادر باكستانية وأميركية قولها إن العملية المرتقبة ثمرة اتفاق تم التوصل إليه بين القيادة السياسية والعسكرية الباكستانية وبين وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ورئيس هيئة أركان الجيش الأميركي مايكل مولن أثناء زيارتهما لإسلام آباد الأسبوع الماضي.


 
ونقلا عن مسؤول أميركي، يقول التقرير إن واشنطن حثت إسلام آباد على القيام بالعملية بالتزامن مع استمرار الطلعات الجوية الأميركية لطائرات بدون طيار، وهذا بحد ذاته ما قد يؤلب الشارع الباكستاني بشكل أكبر ضد حكومة آصف علي زرداري.
 
مظاهرة في لاهور ضد زيارة كلينتون (الفرنسية)
الدوافع الإستراتيجية
ويشدد التقرير على أن المحذور الأول من العملية يتعلق بضمان نحاج الجيش في تصفية قواعد حركة طالبان باكستان مع الاحتفاظ بإمكانية التأثير على شبكة حقاني في أفغانستان، وعدم دفع الجماعات المسلحة الأخرى المحايدة -مثل قوات حافظ غل بهادر- إلى أحضان طالبان وأذرعها الدولية.
 
كما يذكر أن شبكة حقاني وقوات بهادر لا تستهدفان الجيش الباكستاني، لكن الولايات المتحدة تريد من باكستان تدمير شبكة حقاني التي تتمركز بشكل رئيسي في الأجزاء الشمالية من منطقة شمال وزيرستان في حين تتمركز قوات بهادر في الأجزاء الجنوبية، وكلتاهما تدعم حركة طالبان أفغانستان في عملياتها ضد القوات الأجنبية.
 
وفي هذا الإطار يرى ستراتفور أن عملية عسكرية في وزيرستان ستساعد في تخفيف الضغوط الأميركية على إسلام آباد، لا سيما بعد قتل بن لادن المختبئ في منزل بمدينة إبت آباد الباكستانية.
 
لكن العملية على الصعيد التكتيكي قد تستغرق وقتا طويلا في الإعداد، حيث من المرجح أن تبدأ بغارات جوية وسط غياب استخباري شبه تام عن طبيعة وتسليح وعتاد الجماعات المستهدفة.
 
ويختم التقرير بالإشارة إلى أن الجيش الباكستاني يدرك جيدا أن عملية كهذه خاصة إذا أوقعت خسائر كبيرة في صفوف المدنيين، ستعني استعداء قطاعات واسعة في منطقة القبائل، وستخلق أزمة نازحين تساوي في حجمها المشكلة التي وقعت في وادي سوات قبل عامين.

المصدر : الجزيرة