مراقبون: انتخابات الأحد لا تشكل مساحة تجاذب بين المؤسسة المدنية والعسكرية (الفرنسية)

عدي جوني-إسطنبول

قد لا تشكل المؤسسة العسكرية التركية تأثيرا مباشرا على الانتخابات البرلمانية التي ستجري غدا الأحد، لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت ومازالت تلقي بظلالها على المشهد الانتخابي في إطار الحديث عن توجه مستقبلي لوضع الجيش تحت قيادة وزارة الدفاع، وبالتالي حرمانه من المناورة المطلقة ضد المؤسسة المدنية الحاكمة.

فمنذ إقامة الجمهورية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك في العشرينيات من القرن الماضي، لعب الجيش دورا محوريا في الحياة السياسية بدلالة الانقلابات التي وقعت عدة مرات فضلا عن كونه -بحكم الدستور- الحامي للعلمانية.

وهذا ما يضع الجيش في موقع الوصي على مبادئ أتاتورك القادم من مؤسسة عسكرية عاشت مع مطلع القرن الماضي تداعيات الحرب العالمية الأولى، وأول ملامح صراع الهوية بين خلافة إسلامية منهارة ونظام حكم قومي كان يسعى للخروج من عباءة العقلية العثمانية إلى الفكرة القومية للمجتمع التركي.

ويرى مراقبون أن انتخابات الغد لا تشكل مساحة تجاذب بين المؤسسة المدنية والعسكرية لأن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان كان واضحا بأن مسألة وضع الجيش تحت قيادة وزارة الدفاع ليس قضية ملحة ويمكن تأجيلها والتدرج بها في المستقبل.

كريم بالجه:
وضع المؤسسة العسكرية تحت إمرة الحكم المدني لا يبدو كارثيا كما يتخيله البعض ولا ينذر بتفجر صراع مرير عرفته تركيا في السابق
مشكلة قائمة
بيد أن القضية بشكلها العام -وإن غابت عن صناديق الاقتراع كورقة انتخابية مثل المشكلة الكردية- تبقى موجودة في الظل لأنها وفق المحلل السياسي التركي جنكيز أقطار هي جزء متجذر في البنية الأساسية التي قامت عليها الجمهورية الأتاتوركية، ويبقي الفارق موجودا فقط في تراجعها وتقدمها في المشهد السياسي بحكم الظروف.

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار أقطار إلى أن المجتمع المدني التركي راغب بتقليص نفوذ العسكر المطلق ممثلا برئيس هيئة الأركان، وجعله تحت إمرة الحكومة لا خارجها، لكن -يضيف قائلا- الأمر لا يبدو بندا مستعجلا على روزنامة حزب العدالة والتنمية في الوقت الحاضر.

وأكد أقطار أن أي محاولة في الوقت الحاضر لتدجين الجيش سياسيا ليست مأمونة العواقب، وستجد بعض التداعيات -التي هي وفق المنطق الانتخابي السائد- لا يريد أردوغان وحزبه تحمل مآلاتها لحجم الوعود والطموحات التي يعلقها على انتخابات 2011.

أما الكاتب الصحفي التركي المعروف في صحيفة الزمان كريم بالجه، فيرى أن القضية لا يمكن مقاربتها بالتحليل المباشر للتأثير المحتمل على الانتخابات حتى لو كانت قضية وضع المؤسسة العسكرية تحت سيطرة الحكومة لأن الجيش ليس مؤسسة أمنية فقط بل مجموعة اقتصادية متكاملة ومتداخلة في تفاصيل الحياة التركية العامة.

ما بعد الانتخابات
ويضيف أن حزب العدالة والتنمية وأي حزب آخر يفوز بتشكيل الحكومة يدرك تماما أن مقاربة هذه المسألة -وهي أحد الشروط المطلوبة لعضوية الاتحاد الأوروبي- لا تتم باحتفاليات الدعاية الانتخابية بل بدراسة متأنية وواعية لأن التاريخ كان ومازال يذكر مدى العداوة المستحكمة بين الجيش والحكم الديمقراطي المدني، والتي شهد مطلع ثمانينيات القرن الماضي آخر فصولها الواضحة.

ويشير بالجه إلى تقييد نفوذ المؤسسة العسكرية، وفي حقيقة الأمر مسألة ما بعد الانتخابات وليس قبلها أو خلالها، وتتحدد ملامحها بتحديد شكل البرلمان الجديد وقدرة الحزب الفائز بفرض أغلبية تمكنه من الدخول في هذا المعترك بقوة.

ويضيف أن وضع المؤسسة العسكرية تحت إمرة الحكم المدني لا يبدو كارثيا كما يتخيله البعض ولا ينذر بتفجر صراع مرير عرفته تركيا في السابق بل يضم نوافذ جديدة يمكن فتحها، مشيرا إلى طبقة جديدة من الجنرالات برزت بعد عام 1983 تختلف في نمط تفكيرها عن القيادات السابقة وتبدو أكثر تقبلا للمفهوم الديمقراطي.

وذكر بالجه أن الصدامات والصراعات الباردة بين الحكومة والجيش مازالت قائمة منذ سنوات، وما قضية أرغينيكون سوى صفحة في سجل كبير.

المصدر : الجزيرة