أحد تجمعات العائدين من ليبيا أمام القصر الرئاسي (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط

يعيش الموريتانيون العائدون من بلدان الثورات العربية أوضاعا صعبة بعد أن فقدوا كل ما يملكون، وعادوا صفر اليدين إلى وطن يقولون إنه لا يزال يبخل عليهم بالحد الأدنى من مستلزمات الحياة الإنسانية الكريمة.
 
ورغم أن عددا محدودا من الموريتانيين -أغلبهم طلاب عاد من مصر وتونس أثناء الثورتين اللتين اندلعتا مطلع العام الحالي هناك- فإن الوضعية تبدو مختلفة تماما بالنسبة للعائدين من ليبيا عددا وتنوعا، وربما معاناةً لا تزال تلقي بظلال ثقيلة على أصحابها.
 
يبلغ عدد الجالية الموريتانية في ليبيا نحو ثلاثين ألفا، يزاولون مختلف أنواع المهن ويسكنون أيضا مختلف المناطق الليبية، وبعضهم كان يعيش في ليبيا منذ عقود من الزمن لم يزر خلالها وطنه قبل انفجار الأوضاع هناك.
 
وبينما استسلم بعض من هؤلاء لقدره وبدأ البحث بوسيلة أو بأخرى عن تعويض ما خسر، ولى مئات آخرون وجوههم شطر السلطات المحلية، وراحوا يتظاهرون بشكل شبه يومي أمام القصر الرئاسي وأمام بعض الإدارات المحلية للمطالبة بإنقاذهم من التشرد وتعويضهم عما ضاع.
 
 أحمد سالم: العائدون يطالبون بالحد الأدنى وهو توفير أرض صالحة للسكن والمساعدة في إعمارها (الجزيرة نت)
تعهدات
وكان وزير الإسكان إسماعيل ولد بدة قد تعهد عبر التلفزيون الحكومي بحل أزمة سكن هؤلاء العائدين من ليبيا، وقال إن الحكومة ستقوم بمنحهم أراضي غير قابلة للبيع مساهمة في حل بعض مشاكلهم، وعلى رأسها مشكلة السكن التي تؤرق هؤلاء بقوة.
 
كما تعهد والي (محافظ) ولاية نواكشوط للمعنيين أكثر من مرة بتسريع وسائل حصولهم على منح أراض، لكن الإشكال -بحسب ما نقل المعنيون عن الوالي- هو ما بعد منح الأراضي حيث لم تلتزم السلطات حتى الآن بتوفير منح أو قروض لبناء مساكن للمستفيدين من هذه المنح.
 
وتفاخر الحكومة الموريتانية بسرعة ونجاعة تدخلها لإنقاذ جاليتها في ليبيا، حيث بادرت في الأيام الأولى للأزمة لإقامة جسر جوي لترحيل مواطنيها من هناك عبر ما يقارب العشرين رحلة جوية، وهو ما يثني عليه العائدون ويعتبرونه خطوة بناءة أنقذتهم من جحيم لا يطاق وموت محقق خصوصا في طرابلس والمناطق القريبة منها.
 
مشردون
ولكن الآلاف من هؤلاء يواجهون اليوم ظروفا صعبة، جعلتهم يطلبون في أحد تجمعاتهم أمام القصر الرئاسي بنواكشوط من منظمة الهجرة الدولية التدخل لإعادتهم إلى مخيمات اللاجئين هناك عند رأس جدير حتى يلتحقوا بآلاف اللاجئين الصوماليين والآسيويين الذين رفضوا العودة إلى بلدان لا يجدون فيها ما يسد رمقهم ويقيم أودهم ويغنيهم من الجوع والعطش.
 
ويضيفون أنهم ومنذ مقدمهم يعانون "التشرد في أوطانهم" واللجوء بين أهاليهم وذويهم، وهي وضعية كان الأرحم بهم منها لو بقوا تحت وصاية دولية تحميهم وتغنيهم عن التسول والتضيف على الآخرين.
 
ويقول منسق مكتب العائدين من ليبيا علي ولد أحمد سالم إن بعض العائدين انقطع عن أهله وبلاده منذ سنوات طويلة، ولم يرجع من ليبيا ولو بأجرة سيارة الأجرة، ولا ملجأ له ولا أهل ولا مال، ولم يتلق حتى الآن أي مساعدات لا من الدولة ولا من الهيئات الخيرية والإنسانية، وإن الجميع يعيش أزمة عميقة في ظل صمت من أحزاب المعارضة وهيئات المجتمع المدني، وغياب من الحكومة.
 
ويضيف في حديث مع الجزيرة نت إن العائدين يطالبون بالحد الأدنى وهو توفير أرض صالحة للسكن، والمساعدة في إعمارها، ودمج المئات من حملة الشهادات العليا الذين كانوا يزاولون أعمالا مرموقة في ليبيا، وخلق فرص عمل، وورش تشغيل لمئات العمال.
 
ويستنكر ولد أحمد سالم حالة التجاهل التي تواجه بها تلك المطالب على بساطتها، ويشير إلى أنهم سجلوا حتى الآن أكثر من 2300 من العائدين، وقدموا بياناتهم بشكل مكتمل للسلطات وللأمم المتحدة، ومع ذلك لم يتلقوا حتى الآن سوى الوعود المعسولة رغم أنهم يكابدون ظروفا مؤلمة وأوضاعا إنسانية غاية في القساوة والصعوبة.

المصدر : الجزيرة