مستوطنة مودعين إليت في الضفة الغربية (الفرنسية)

تتردد على لسان المسؤولين الإسرائيليين عبارة الحدود الآمنة كشرط لأي مفاوضات سلام مع الفلسطينيين على أساس الرفض القاطع للمصطلح الدبلوماسي المعروف باسم حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 الذي يعتبر الركن الإستراتيجي للدولة العبرية.
 
ومن باب التوضيح، لا بد أولا من التذكير بأن حدود الرابع من يونيو/حزيران تعني على الأرض الحدود التي وضعتها اتفاقية الهدنة مع دول الطوق عام 1949 باعتبار أن قرار الأمم المتحدة لعام 1948 الذي أنشأ "دولة إسرائيل" يمنحها مساحة أقل.
 
يضاف إلى ذلك أن رفض العرب قرار التقسيم كان السبب وراء اندلاع حرب عام 1948 المعروفة عربيا باسم حرب النكبة التي تمخضت عنها الحدود التي وضعت الضفة الغربية والجزء الشرقي من القدس بيد الأردن بينما وضعت قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، لينشأ بذلك مصطلح الأراضي الفلسطينية وعرب 1948.
 
آلية عسكرية إسرائيلية في قرية مجدل شمس بالجولان السوري المحتل (الفرنسية)
وفي هذا السياق يقول الخبراء العسكريون -في دراسة نشرها معهد ستراتفور الأميركي للدراسات الاستخباراتية اليوم الثلاثاء- إن حدود الهدنة الموقعة عام 1949 حسنت من وضع إسرائيل من خلال توسيع مساحة الممرات بين المناطق التي منحت أصلا لإسرائيل في قرار التقسيم وتحديدا بخصوص السيطرة على الأجزاء الغربية من القدس والأهم من ذلك السيطرة الكاملة على صحراء النقب جنوبا.
 
العمق الإستراتيجي
ويلفت الخبراء إلى أن السيطرة الكاملة على صحراء النقب منح الإسرائيليين مساحة كبيرة للمناورة في العمق الإستراتيجي لدى أي هجوم مصري محتمل، لكن دون أن يعني ذلك إن اتفاقية الهدنة لعام 1949 ألغت جميع التهديدات الأمنية الإستراتيجية ضد تل أبيب.
 
فاتفاقية الهدنة -يقول الخبراء- وضعت القوات الأردنية في رأس متقدم على ثلاث جهات يحاصر القدس الغربية ويهدد ممر القدس تل أبيب، ويضع مثلث تل أبيب حيفا القدس في مرمى المدفعية الأردنية، فضلا عن أن هجوما أردنيا باتجاه المتوسط كان يستلزم من القوات الإسرائيلية وقفه عند الحدود بسبب غياب العمق الإستراتيجي اللازم للانسحاب وإعادة تجميع القوات لشن هجوم مضاد.
 
من هذه القراءة، يركز الإستراتيجيون الإسرائيليون على أن العودة لما وراء حدود الرابع من يونيو/حزيران 67 يعني العودة إلى حدود اتفاقية الهدنة 1949، أي وبعبارة أخرى البقاء تحت أخطار قيام هجوم ثلاثي سوري مصري أردني باتجاه الحدود يهدد بقاء ووجود إسرائيل بشكل مباشر، ومن هذه الفكرة الإستراتيجية نشأ المصطلح الإسرائيلي الحدود الآمنة التي يمكن الدفاع عنها.
 
حدود 67
ويتابع الخبراء أن حرب 67 -حرب النكسة بحسب القاموس السياسي العربي- منحت إسرائيل الفرصة لاحتلال كامل التراب الفلسطيني وصحراء سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية.
 
هذه الحرب أعطت القوات الإسرائيلية مزايا دفاعية كبيرة كونها أبقت القوات المصرية إلى غرب القناة وأبعدت عنها تهديد المدفعية الأردنية والسورية في آن معا ومنحتها المساحة المطلوبة للمناورة التكتيكية في العمق الإستراتيجي لإعادة تجميع القوات وشن هجوم مضاد.
 
خريطة المستوطنات شمالي القدس الشرقية (الجزيرة نت)
بيد أن فشل إسرائيل -والكلام لتقرير معهد ستراتفور- في توقع قيام تنسيق مصري سوري في هجوم مشترك عصر يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973 وضع إسرائيل في موقف خطير لم تنج منه إلا بفضل الجسر الجوي الأميركي الذي عوضها عن خسائرها الكبيرة في المعدات خلال الأيام الأولى من الحرب.
 
الوضع الراهن
ولعل من أهم الدروس التي استخلصتها إسرائيل من حرب 1973 أن من غير الممكن لأي دولة الحفاظ على بقائها رهنا بسياسات خارجية لدولة ما من الممكن أن تتغير في المستقبل بحسب تغيرات ميزان القوى الإستراتيجية، وضرورة ترسيخ فكرة الخط الدفاعي الإستراتيجي انطلاقا من حدود اتفاقية الهدنة عام 1949.
 
وينطلق الإسرائيليون في إصرارهم على التمسك بحدود ما بعد الرابع من يونيو/حزيران من مبادئ إستراتيجية تتقاطع مع فكرة إسرائيل الدينية التوراتية، وهي:
 
1- الحرب مع العرب لن تنتهي حتى مع توقيع اتفاقية سلام.
2- قيام دولة فلسطينية يعني تعريض إسرائيل لخطر الصواريخ من مسافة قريبة تصيب تجمعات سكانية كبيرة.
3- خسارة الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية.
4- خسارة العمق الإستراتيجي المطلوب وقدرة الردع الاستباقي على حرب العصابات مع الفصائل الفلسطينية وحزب الله.

ويختم معهد ستراتفور تقريره بالقول إن إسرائيل حتى في حال عدم عودتها إلى حدود 1949 لن تكون بمأمن من الصواريخ المتوسطة المدى سواء من سوريا أو إيران، لكن هذه الصواريخ لن تشكل تهديدا لوجود الدولة العبرية نفسها إلا في حال استخدام السلاح النووي وهنا تبدأ قصة الضغوط الأميركية على إيران.

المصدر : الجزيرة