قوة من الجيش لدى وصولها إلى قاعدة مهران لمواجهة المسلحين (الفرنسية) 

كانت عملية اقتحام قاعدة مهران البحرية في كراتشي يوم الاثنين الماضي رسالة موجهة أصلا إلى الولايات المتحدة قبل باكستان وذلك لما حملته من مضامين إستراتيجية تعلم واشنطن جيدا مقدار خطورتها.
 
جاء ذلك في إطار ورقة تحليلية نشرها اليوم الخميس معهد ستراتفور الأميركي للدراسات الاستخبارية ربطت بين ثلاثة محاور رئيسية هي التفاصيل التكتيكية للعملية على خلفية تورط أمني باكستاني فيها، وعدم قدرة الدولة الباكستانية على مواجه الجماعات المتشددة، والخيارات المتاحة أمام واشنطن للتعامل مع وضع يشكل تهديدا أمنيا لجهود الولايات المتحدة في الحرب على ما يسمى الإرهاب.
 
وتستعرض الورقة ما تصفه بمفارقات غريبة في المشهد الباكستاني أولها مقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بعملية أميركية في مدينة إبت آباد الباكستانية مما شكل دليلا على وجوده في باكستان منذ عدة سنوات.
 
أما المفارقة الثانية فتتعلق بتعاظم عمليات حركة طالبان باكستان لتهدد منشآت عسكرية حيوية مما يوحي -كما تدل عليه المفارقة الأولى- بوجود تعاون استخباري داخلي مع حركة طالبان، وهذا ما عبر عنه مسؤولون أميركيون صراحة أكثر من مرة.


 
الإخوة الأعداء
ويرى التقرير أن المشكلة في تركيبة المشهد الأمني الباكستاني، هي وجود عناصر في المؤسسة الأمنية الباكستانية تحمي وتدعم من يفترض وصفهم بأعداء الدولة الباكستانية وهو ما يخدم الأهداف الإستراتيجية لتنظيم القاعدة والجماعات الموالية له في دول جنوب آسيا قاطبة.
 
من اجتماع القيادة العسكرية الباكستانية لبحث تطورات اقتحام قاعدة مهران (الجزيرة) 
ويضيف التقرير أن هذه الجماعات -على ما يبدو- تدفع بالولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى الضغط على إسلام آباد وربما تعزيز مشاركتها في عمليات داخل الأراضي الباكستانية تعبيرا عن انعدام ثقة هذه الدول بنوايا وقدرات الحكومة الباكستانية على التعامل مع مشاكل أمنية تخصها مباشرة.
 
هذا الوضع -كما يراه ستراتفور- يرسم إلى حد ما رؤية إستراتيجية للجماعات المتشددة تتمثل في دفع المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة إلى الاقتناع بأن الدولة الباكستانية باتت دولة عاجزة وغير قادرة على احتواء التهديدات الأمنية التي لا تطال فقط استقرارها الداخلي بل والترسانة النووية الباكستانية التي تعتبر بالنسبة للغرب خطا إستراتيجيا أحمر لا يسمح بالاقتراب منه أيا كانت الظروف والأثمان.
 
استغلال المخاوف
بعبارة أخرى، يرى التقرير الأميركي أن كل هجوم يقوم به فصيل من الجماعات الإسلامية المتشددة في باكستان ضد مؤسسات أمنية وعسكرية باكستانية يهدف أصلا لدفع الأميركيين للشعور بالقلق من أن "العناصر الأصولية" اخترقت المؤسسة الأمنية على نحو باتت معه قادرة على تغيير المعادلة على الأرض.
 
وبالتالي -يتابع التقرير- فوضع كهذا يرسم صورة قاتمة للوضع الداخلي الباكستاني ويضع الولايات المتحدة أمام خيارات إستراتيجية منها غزو باكستان عسكريا كي لا تتحول إلى أفغانستان طالبان أخرى.


 
ويعتبر التقرير أن هذا السيناريو يضرب عصفورين بحجر واحد الأول إسقاط النظام الباكستاني بالكامل لأن حركة طالبان باكستان بقواها الذاتية ليست قادرة على تحقيق هذا الهدف، وثانيا استدراج الولايات المتحدة إلى مستنقع أشد خطورة من المستنقع الأفغاني.
 
سيناريو غرائبي
ورغم غرابة هذه السيناريو من الناحية العملية، يقول ستراتفور إن زيادة التحرك العسكري الأميركي داخل باكستان أو زيادة الضغوط السياسية على الحكومة يساهمان في تعميق الشرخ في صفوف المؤسسة الأمنية والعسكرية التي تقف حائلا دون وصول "الجهاديين" إلى السلطة.
 
وما يثير الاستغراب في هذا السياق، أن الجماعات المتشددة تحاول خلق نوع من الظروف التي تمهد للتدخل العسكري الخارجي في باكستان، وبالتالي فإن المؤسسة الأمنية الباكستانية التي كانت يوما الحاضن الفعلي للجماعات الإسلامية لاستخدامها ضد أطراف خارجية باتت هي التي تقف في وجه انزلاق باكستان إلى نظام طالباني.
 
ومن وجهة نظر الجماعات المتشددة فإن نجاح هذا المشروع سيجعل أفغانستان وباكستان معا تشكلان دولة طالبانستان الكبرى التي تفرض مشروعها الإقليمي على المنطقة، ولا يوجد أفضل من الولايات المتحدة معينا على تحقيق ذلك.

المصدر : الجزيرة