يعيش الاتحاد الأوروبي تحديا جوهريا يتمثل في تنامي التوجه الوطني والقومي في ظل صراع المصالح بين أقطاب هذا الاتحاد المثقل بعض أعضائه بالديون الناتجة عن الأزمة المالية
.

وقد شكل إعلان أربع دول من وسط وشرقي أوروبا -هي بولندا والمجر والتشيك وسلوفاكيا- تأسيس قوة قتالية مشتركة تسمى "فيشغراد" محطة بارزة في الخروج عن الصف، ما دام أن أوروبا ليست موحدة في نظرتها إلى التهديد الذي يراه البعض قادما من حدودها الشرقية, وتحديدا من روسيا.

فقد قال المحلل السياسي جورج فريدمان -في حوار مع معهد ستراتفور الأميركي للدراسات الاستخبارية- إن أوروبا تعيش توترات ترتبط بالتصورات المشتركة حول القضايا الكبرى، ومنها تلك المرتبطة بالعلاقات البينية بين دول الاتحاد الأوروبي وأيضا بالعلاقة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وقد وصف هيكلة الاتحاد الأوربي بـ"الخاطئة" لكونه يعيش مشاكل "متجذرة" أبرز مظاهرها مشكلة الديون المالية.

وفي توضيحه لهذه النقطة، قال فريدمان إن دول الاتحاد لا تتطور بنفس الوتيرة، بل إن بعضها يقف عائقا في وجه تطور البعض الآخر، مستشهدا بدول تستفيد من الدعم الأوروبي على أمل أن يعرف ميزانها التجاري توازنا وهو ما لا تستسيغه دول أخرى وتيرة إنتاجها الاقتصادي سريعة ومتطورة كما هو الحال بالنسبة لألمانيا.

هذا البون الشاسع جعل الألمان "أقل افتنانا بالاتحاد الأوروبي"، في مقابل التقرب أكثر من روسيا التي تمتلك احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، تصدرها لها ألمانيا التكنولوجيا ورؤوس الأموال.

وإلى جانب الهواجس الاقتصادية، بدأت الهواجس الأمنية تطغى على توجهات بعض البلدان ضمن المنظومة الأوروبية، فكان أن قررت الدول الأربع المذكورة آنفا تأسيس قوة قتالية مشتركة خارج حلف شمال الأطلسي كنتيجة للأزمة المالية وما تعيشه دول الاتحاد الأوروبي من مشاكل "كامنة".

وقد قوبل تأسيس هذا التحالف -"الذي يعد تحولا تاريخيا في المنطقة"- وينطلق من الرغبة في الاستقواء الذاتي بين أعضائه، بالتحفظ من ألمانيا وبالتشكك من روسيا التي تعمل على توسيع نفوذها هناك.

ميدفيديف توقع حربا باردة جديدة إذا ما أصرت أميركا على نشر الدرع الصاروخي (رويترز)
أوروبا جديدة
وقد وصف المحلل السياسي جورج فريدمان هذه المجموعة بأنها "أوروبا جديدة تتشكل"، حيث ستدافع دول مجموعة "فيشغراد" عن مصالحها بنفسها بعيدا عن الأطلسي، وهو ما لم يقع منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، حيث ارتبطت الدول المذكورة بأوروبا وبالأطلسي، معتبرا أن التحالف الجديد "تحول جذري" على المستوى الإستراتيجي لهذه البلدان
.

ومن غريب الصدف أن هذه التحولات التي تعيشها المنطقة تتزامن مع تصريح للرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف تحدث فيه عن إمكانية نشوب حرب باردة، جديدة إذا ما أصرت الولايات المتحدة على نشر نظام الدرع الصاروخي في بولندا.

لكن فريدمان رفض هذه الفكرة معللا موقفه بأن روسيا لم تعد كما كانت في السابق قوة عالمية. فخلال صراع القطبين، كان للاتحاد السوفياتي وجود عسكري في كل من كوبا وغرب أفريقيا، وبالتالي فقد كان السوفيات قوة عالمية بالإضافة إلى أنهم قوة نووية.

أما اليوم، فينظر إلى روسيا فقط كقوة إقليمية يمكن أن تخلق مشاكل على طول الحدود التي تمتلكها مع جيرانها، أي أن الحال يختلف عما كان عليه خلال الحقبة السوفياتية بحسب وجهة نظر فريدمان، الرئيس التنفيذي لشركة ستراتفور وهي إحدى الشركات الخاصة بجمع المعلومات.

جورج فريدمان:
التوجه القومي يظهر اليوم بوضوح في أوروبا، فقد دفعت  فرنسا في اتجاه التحرك العسكري ضد ليبيا، في حين اتخذت ألمانيا مقاربة أخرى وكانت أقل حماسا في موضوع استعمال القوة
النزعة الفردية
مع ذلك هناك صراع قوي بين الولايات المتحدة وروسيا ميدانه القارة الأوروبية، فالروس -يقول المتحدث- يعملون كل ما في وسعهم لإبقاء الأوروبيين بعيدين عن الأميركيين، وهم يركزون بالأساس على ألمانيا "وقد قاموا بدور جيد إلى حد الآن على هذا الصعيد".

وفي سؤال حول الدور الذي يمكن أن تلعبه بولندا التي ستترأس الشهر القادم الاتحاد الأوروبي، قال فريدمان إن التناوب على الرئاسة الأوروبية "رمزي".

ولفت إلى أن القرارات الأساسية في أوروبا لا تقرر في بروكسل -حيث يتخذ الاتحاد الأوروبي في العادة قراراته- بل تتخذ في برلين وباريس ووارسو، "أي على مستوى العواصم الوطنية".

وقال فريدمان إن التوجه القومي يظهر اليوم بوضوح في أوروبا، واستشهد بالمواقف المختلفة للبلدان الأعضاء حول ليبيا، حيث دفعت فرنسا في تجاه التحرك العسكري، في حين اتخذت ألمانيا مقاربة أخرى وكانت أقل حماسا في موضوع استعمال القوة، علما بأن مواقف الطرفين كانت متناغمة لفترة طويلة من الزمن.

المصدر : مواقع إلكترونية