الباحثون ناقشوا الجوانب السياسية والاقتصادية والتاريخية بين العرب والأتراك (الجزيرة نت)

المختار العبلاوي-الدوحة

وضع مفكرون عرب علامات استفهام كبيرة حول استمرار بريق صورة تركيا ونفوذها المتزايد في العالم العربي بفعل "رؤيتها الضبابية" لربيع الثورات العربية الذي ينشر نسائم الحرية والديمقراطية ويرسم مشهدا جديدا يقطع مع ممارسات الأنظمة السابقة.

وجاء نقاش الموضوع ضمن أشغال المؤتمر العلمي "العرب وتركيا: تحديات الحاضر ورهانات المستقبل" الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يومي 18 و19 مايو/أيار الجاري بالدوحة حيث تدارس المشاركون الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية في علاقة العرب بالأتراك، وآفاقها المستقبلية في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة.

فقد قال مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في بيروت محمد نور الدين إن موقف الحكومة التركية في مجمله تجاه الثورات العربية -والذي تميز بالتناقض- هز أسسا في ثوابت السياسة التركية التي نظر لها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في كتابه "العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في السياسة الدولية".

ورأى في مداخلته بالمؤتمر التي عنونها بـ"العرب والدور التركي المستقبلي: الفرص والتحديات"، أن رؤية العمق الإستراتيجي أصابها "التصدع" و"تضررت كثيرا" بفعل المواقف "المترددة والضبابية" التي تبناها الجانب التركي حيال ما يقع في العالم العربي من أحداث رغم إقرار المتحدث "بالتطورات الإيجابية عموما بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة".

وأرجع نور الدين -وهو باحث متخصص في الشؤون التركية- هذا التخبط إلى تفاجئ أنقرة، كغيرها من العواصم، بتحركات الشارع العربي، ولفت إلى أن مصداقيتها اهتزت بعد أن قوبلت المبادرات التي اقترحتها -والمرتبطة بحل لما يقع في العالم العربي من ثورات- بالرفض وعدم الاهتمام.

وعن مستقبل العلاقات بين الجانبين، قلل نور الدين من فعالية التعاون الثنائي التركي العربي لمواجهة التحديات المطروحة، مقترحا في المقابل توسيع هذا التعاون ليصبح ثلاثيا يضم إيران باعتبارها رقما لا يمكنه تجاهله في المنطقة.

محمد السيد: تركيا كانت مخيرة بين الوقوف إلى جانب الأنظمة أو الشعوب (الجزيرة نت)
السقوط التركي
في جانب آخر من الموضوع، قال المتخصص في العلاقات الدولية وتحليل السياسية الخارجية محمد السيد سليم إن تراجع البريق التركي في العالم العربي يعود بالأساس إلى انشغال الشعوب العربية بالثورات واهتمامها بإصلاح البيت الداخلي أكثر من تطلعها لنموذج خارجي.

وأضاف في مداخلته "الخيارات الإستراتيجية للوطن العربي وموقع تركيا منها"، أن الثورات العربية وضعت الحكومة التركية في موقف صعب إذ كان عليها الاختيار بين الوقوف إما إلى جانب الحكومات وإما إلى جانب الشعوب، "ولكل موقف سلبياته وإيجابياته"، ملخصا وضعية الطرفين بالقول إنه "الربيع العربي والسقوط التركي".

وكشف السيد أن الاقتصاد يبقى واحدا من المحددات التي توجه العلاقة بين أنقرة وعدد من العواصم العربية وعلى رأسها طرابلس، وهي علاقات تحسنت بشكل كبير منذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم.

فقد بلغ مثلا التبادل التجار بين تركيا وليبيا عشرة مليارات دولار أميركي خلال العام الماضي (2010) بالإضافة إلى استثمارات في قطاع التشييد منحتها ليبيا للشركات التركية بقيمة 15 مليار دولار.

وقد تبنت تركيا في بداية ثورة "17 فبراير" بليبيا -خلافا للثورة المصرية- موقف الحياد السلبي دون أن تصدر أي موقف لصالح طرفي الأزمة، بل إنها عارضت استخدام القوة العسكرية ضد نظام العقيد الليبي معمر القذافي في وقت تفاعل فيه الشارع التركي والعربي والعالمي مع الانتهاكات التي لحقت بالمدنيين الليبيين.

ولفت سليم -وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت- إلى أن أطرافا عديدة انتقدت موقف الحكومة التركية خاصة فيما يتعلق بليبيا.

وذكر بخروج مظاهرات في بنغازي تندد بموقف تركيا مما يعد انتكاسة لصورة الأخيرة التي ارتفعت أسهمها في العالم العربي بعد انسحاب رئيس الوزراء التركي رجيب طيب أردوغان من مؤتمر دافوس احتجاجا على تصريحات الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز والهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية لكسر الحصار على غزة.

قارن سليم بين واقع النموذجين العربي والتركي ليخلص إلى أن حضور الحركات الإسلامية قوي في المجتمعات العربية على خلاف المجتمع التركي، وهو ما يعني استحالة تطبيق علمانية أتاتورك في الوطن العربي

"أتركة العرب"
وفي الوقت الذي تؤسس فيه بعض الدول العربية التي أسقطت أنظمتها الدكتاتورية مقومات نظامها الديمقراطي، تساءل سليم عن مدى إمكانية تطبيق النموذج التركي في عالمنا العربي قبل أن ينتهي إلى استحالة ذلك لسببين رئيسيين.

وفي تفصيل هذه النقطة، قارن سليم بين واقع النموذجين العربي والتركي ليخلص إلى أن حضور الحركات الإسلامية قوي في المجتمعات العربية على خلاف المجتمع التركي، وهو ما يعني استحالة تطبيق علمانية أتاتورك في الوطن العربي.

ويدعم هذا الرأي الدكتور محمد نور الدين الذي شكك في إمكانية تبني الحركات الإسلامية في العالم العربي النموذج التركي لكونها "غير مستعدة لطرح برنامج سياسي علماني كالذي يطرحه حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا".

أما السبب الثاني -بحسب سليم- فيعود إلى فساد الأنظمة العربية منذ الاستقلال، وهو ما لم يساعد على ترسيخ ليبرالية اقتصادية تفرز طبقة من التجار تعمل في بيئة منافسة ونزيهة في ظل انتشار الرشا والمحسوبية على عكس تركيا التي نجحت في بناء نموذج اقتصادي حر وتنافسي.

المصدر : الجزيرة