خارطة موريتانيا وعليها بوتلميت

إحدى أهم مدن الجنوب الغربي في موريتانيا، تقع إلى الشرق من العاصمة نواكشوط على مسافة تصل إلى نحو 150 كلم تقريبا، أخذت اسمها المركب من نبتة صحراوية (تلميت) المعروفة لدى أهل المنطقة كغذاء جيد للإبل.
 
تعتبر واحدة من المدن التي لعبت دورا سياسيا وثقافيا هاما في التاريخ الموريتاني الحديث، ومنها ينحدر أول رئيس للبلاد وهو الراحل المختار ولد داداه الذي تولى رئاسة موريتانيا منذ استقلالها عام 1960 وحتى الإطاحة به في انقلاب عسكري عام 1978.
 
تأسست عام 1828 على يد الراحل الشيخ سيديا الكبير بن المختار ولد الهيبة (1770- 1868م) الذي بنى في العام ذاته أول دار في ذلك الوادي (بوتلميت)، وهي الدار التي تحولت فيما بعد إلى دار للنفقات والاستضافات.
 
ظروف سياسية
تأسست مدينة بوتلميت في ظروف تميزت بالصراع السياسي القوي بين إمارات الجنوب والوسط في موريتانيا -إمارتي اترارزة، ولبراكنه- حيث كانت البلاد تحكمها في ذلك الوقت مجموعة من الإمارات المنتشرة في أرجائها المختلفة، وهي الصراعات التي كان المستعمر الفرنسي يغذيها ويدعمها تمهيدا لغزوه المنتظر للبلاد.
 
ونتيجة للمكانة البارزة التي كان يحظى بها الشيخ سيديا فقد تحولت المدينة الوليدة إلى قبلة لزعماء ومبعوثي تلك الإمارات، ومرتادي وتلامذة الشيخ من كل الجهات، واستطاع نتيجة لتلك الثقة أن يتوسط في إصلاح ذات البين بين زعماء وأمراء المناطق المتصارعة.
 
وحاول في مرحلة لاحقة أن يجمع كلمة الزعماء (أمراء اترارزة، لبراكنة، آدرار) في مؤتمر سمي مؤتمر تندوجة 1856 لحل الخلافات وتسوية الصراعات الدائرة بينهم، وتنسيق الجهود وتعبئة الموارد لمواجهة المستعمر الفرنسي الذي بدأ حينها يطرق أبواب البلاد، وبموازاة ذلك وجه رسالتين إحداهما للحاكم الفرنسي يدعوه فيها إلى الإسلام، والأخرى للسلطان المغربي يدعوه فيها إلى مساعدتهم بالمال والسلاح لمواجهة الفرنسيين.
 
الاستعمار الفرنسي
ساهمت مكانة وجهود الشيخ سيديا في تعزيز المكانة السياسية والقيادية للمدينة الجديدة (بوتلميت) في محيطها القريب، ولكن "باب" نجل الشيخ سيديا الذي خلفه كان يناقضه في الموقف من الغزو الفرنسي حيث أفتى بحرمة مقاومتهم عسكريا، ووقع معهم اتفاقا مهد لدخولهم إلى البلاد عام 1903، وهو الاتفاق الذي نص على أمور عديدة من بينها ألا يتعرضوا للناس في عباداتهم وشعائرهم، وأن يبقى القضاء في أيدي السكان، وأن يلتزم النصارى بعدم السعي إلى تنصير الناس أو إخراجهم عن دينهم.
 
وكانت بوتلميت نتيجة لكل ذلك هي أهم معاقل المستعمر الفرنسي إداريا وسياسيا وليس عسكريا، ولا تزال القلاع التي بناها المستعمر فوق الكثيب المطل من الغرب على المدينة واتخذها مقرا له قائمة حتى اليوم، وبقيت فترة طويلة هي المقر الرسمي لسركل (الدائرة) ولايتي اترارزة وإينشيري.
 
غادر بوتلميت آخر وال فرنسي ويدعى كرنو نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 1960 بالتزامن مع إعلان استقلال البلاد عن المستعمر الفرنسي، ومن المفارقات أن يوم مغادرة الوالي الفرنسي هو أول يوم تصلى فيه صلاة الجمعة بالمدينة.
 
معهد بوتلميت
وقبل مغادرتهم المدينة، بنى الفرنسيون بالتعاون مع أسرة أهل الشيخ سيديا معهد بوتلميت الذي دشنه الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول عام 1957 أثناء زيارته لموريتانيا، وتحول مع الوقت إلى أهم معهد علمي في البلاد كلها، واستطاع أن يستقطب كثيرا من علماء البلد، وأن يمزج بين الدراسات المحظرية (التقليدية) والدراسات الحديثة، وتحول بعد عام 1975 إلى مقر لثانوية المدينة.
 
وكان الفرنسيون قد بنوا قبل ذلك أول مدرسة في البلاد تدرس طبقا للنظام العصري في مدينة بوتلميت سنة 1914، وهي المدرسة التي تخرج فيها عدد من أبناء الولاية من بينهم الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داداه.
 
فضلا عن علاقة المدينة أخذا وردا بالمستعمر السابق، فقد كان لها دور سياسي بارز في محيطها الجغرافي، وظلت عاصمة لولاية اترارزة قبل أن تحول عنها الإدارة عام 1969 وتصبح مدينة روصو هي عاصمة الولاية.
 
قبل استقلال البلاد -وخلال فترات حكم الإمارات- كان للمدينة دورها ومكانتها السياسية، حيث قضت الأعراف السلطانية حينها ألا يكتمل الشأن وتتم البيعة، ويستتب الأمر لأي أمير جديد لإمارة اترارزة قبل توشيحه وتنصيبه في المدينة.
 
ومن طريف العادات أن التنصيب يتم وفق عادة غريبة هي إلباس الأمير سروال الإمارة وسط جمع من أبناء المدينة وقادتها ورموزها، وهو السروال الذي قضت نفس الأعراف أن تتم خياطته في المدينة أيضا.

المصدر : الجزيرة