محمد النجار-عمان

يرصد محللون تشكل ما يقولون إنه "حلف عربي جديد" على أنقاض حلف الاعتدال الذي انتهى مع سقوط نظام حسني مبارك في مصر.

وقوام هذا الحلف الوليد الأنظمة الوراثية العربية، وذلك إثر دعوة مجلس التعاون الخليجي للمملكتين الأردنية والمغربية للانضمام إليه لمواجهة موجة الثورات العربية وتحديات داخلية وإقليمية تعصف بمنظومة الخليج واستقرار دوله.

وتعددت القراءات منذ إعلان قمة دول مجلس التعاون التي عقدت في الرياض الأسبوع الماضي ترحيبها بطلب الأردن الانضمام إلى المجلس, ودعوته المغرب للانضمام إليه.

عريب الرنتاوي
حلف جديد
ويرى رئيس مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن حلفا عربيا جديدا يتشكل على أنقاض حلف الاعتدال العربي الذي "جرى دفنه" مع سقوط نظام مبارك.

وقال الرنتاوي للجزيرة نت إن الترحيب بالأردن جاء بعد 15 عاما من طلبه الانضمام إلى المجلس، بينما "تفاجأ" المغرب بالدعوة لأنه لم يطلب ذلك.

واعتبر أن توقيت توسيع مجلس التعاون وضم 42 مليون نسمة (سكان المغرب والأردن) إلى نحو 38 مليونا هم مجموع سكان دول الخليج، دافعه الأساسي التغيرات الكبيرة الجيوستراتيجية نتيجة الثورات العربية التي أطاحت بحلفاء كبار للخليج خاصة نظام مبارك, وتهدد حلفاء آخرين.

والدافع الثاني حسب الرنتاوي هو التهديد الإيراني الذي باتت دول الخليج قلقة منه أكثر من أي وقت مضى، مضافا إليه التغيير في مصر, وما جرى في البحرين واليمن, وهو ما أشعل الثورات في الحضن الخليجي.

والدافع الثالث هو "التهديد الإرهابي" المستمر لدول الخليج خاصة السعودية ووجود تنظيم القاعدة القوي في اليمن، وتيقن دول الخليج بأنه لا يمكن الاعتماد على الحليف الأميركي الذي تخلى عن مبارك, وتغير إستراتيجية واشنطن تجاه عدم إرسال قوات إلى الخارج وخوض حروب جديدة، وهو ما زاد قلق الخليجيين حيال الخطر الإيراني المتصاعد وفق رؤيتها.

الرنتاوي يتساءل عما إذا كان العرب أمام حلف بغداد جديد يقاوم موجة الثورات العربية التي أطاحت بنظامي الحكم في مصر وتونس, وتعصف بأنظمة ليبيا واليمن وسوريا, والمرشحة لتشمل دولا عربية أخرى
 

قناعة خليجية
ولاحظ الرنتاوي أن دول الخليج أعادت تنظيم صفوفها وتناست خلافاتها، مشيرا إلى عودة الزخم للعلاقات القطرية البحرينية، ووضع الخلافات الإماراتية السعودية جانبا، وتجاوز الخلاف بين الإمارات وسلطنة عمان.

وقال إن "دول الخليج وصلت إلى قناعة بأن ترتيب منظومتها الداخلية لا يكفي, وإنما تحتاج إلى استدعاء أنظمة حكم شبيهة, ومن هنا جاءت دعوة الأردن والمغرب".

وأضاف أن "دول الخليج أيقنت أنها فشلت في حماية نفسها, وهذا ظهر في الصراع مع الحوثيين (اليمنيين) وفي حسم الأوضاع بالبحرين -والأردن لعب دورا هاما فيهما- وثبت أن المنظومات الأمنية والدفاعية التي صرف عليها مليارات الدولارات لم تشكل إضافة إستراتيجية لهذه الدول".

ويخشى الرنتاوي أن يكون العرب أمام تشكل "حلف بغداد جديد يقاوم موجات الثورات العربية التي أطاحت بأنظمة الحكم في مصر وتونس, وتعصف بالأنظمة في ليبيا واليمن وسوريا, وقد تمتد إلى دول أخرى".

ويستعيد التاريخَ عندما يقول إن "السعودية قادت الثورة المضادة للثورات في خمسينيات وستينيات القرن الماضي, وهي التي ظهرت كأكبر مدافع عن نظام مبارك إبان الثورة, واستضافت الرئيس التونسي المخلوع".

بيد أن الرنتاوي تساءل عن مصلحة الأردن في دخول حلف يواجه الثورات العربية، قائلا إنه "يمكن تفهم الحاجات الاقتصادية الضاغطة للأردن, لكن السياق الذي يدخل فيه إلى منظومة الخليج الأمنية مقلق على مطالبات الإصلاح في المملكة, وعلى المصلحة من اصطفافنا في مواجهة ربيع الثورات العربية الذي نتأمل أن نجني ثمارا سياسية له في بلادنا".

وتابع "هناك ترحيب شعبي لا يقل عن الرسمي بالانضمام إلى دول الخليج, وسقف التوقعات من هذا الانضمام لدى الأردنيين كبير، والخوف أن يتخلى الأردنيون عن مطالبهم الإصلاحية أمام ضغط الحاجة الاقتصادية إذا ما كان هناك تحول فعلي لدول الخليج نحو ضم الأردن".

وقال الرنتاوي "أما إذا ظل التوجس الخليجي والقلق من ضم الأردن, وظهر الأمر على أنه استفادة من العمق الأردني دون المنافع الاقتصادية المباشرة, فإن ذلك قد يجعلنا ندفع الغرم دون أن نحصل على الغنم, وسيشكل انتكاسة إستراتيجية للأردن".

مخاض
أما المحلل السياسي ومدير جمعية الشؤون الدولية سلطان الحطاب فرأى أن دعوة الأردن"تأتي في فترة مخاض تاريخية"، معتبرا دعوة المغرب غير جادة "وجاءت كجزء من إخراج قرار ضم الأردن".

وقال الحطاب للجزيرة نت "نعيش في ربع الساعة الأخير من إعادة هيكلة الوضع العربي, ونشهد إعادة تشكل للجغرافيا السياسية في المنطقة نتيجة زلزال الثورات العربية".

وأضاف أن دعوة الأردن يأتي قبيل "تسوية أميركية للقضية الفلسطينية قد تفرضها واشنطن وتقبل بها إسرائيل أمام التغير في مصر والعالم العربي, مما يعني إعادة تأهيل الدور الأردني".

وربط الحطاب بين توقيت دعوة الأردن وبين المحاولة الأولى لضمه عام 1997 في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال عندما قدمت حكومة عبد الكريم الكباريتي طلبا للانضمام إلى مجلس التعاون لأول مرة.

وقال إن الأردن وقتذاك كان يخشى تقلص دوره بعد اتفاق أوسلو، بينما قد يتبدد دوره إذا فرضت أميركا التسوية, وقد يستدير 180 درجة من الغرب إلى الشرق, وينتقل من مواجهة الخطر الإسرائيلي إلى التفرغ للخطر الإيراني، متسائلا "هل سنشهد تغيرا في وظيفة ودور الدولة الأردنية بعد سقوط حلف الاعتدال العربي مع نظام مبارك؟".

ورأى الحطاب أن الأردن يعاني دوما من دكتاتورية الجغرافيا السياسية التي وضعته في مواجهة الأخطار والحروب من حوله, خاصة المشروع الإسرائيلي, ويجد نفسه اليوم في محيط مضطرب نتيجة الثورات العربية.

وقال إن الخليج "مطلوب منه أميركيًا مساندة الأردن وإنقاذه من الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي يمر بها"، مضيفا أن "دول الخليج بدورها تريد استثمار هذا الطلب الأميركي بالاستفادة من العمق الأمني الذي يشكله الأردن لهذه الدول التي تحتاج إلى إمكانيات بشرية كبيرة وحاجتها الدائمة إلى إسناد من الخارج، وهذا ما شاهدناه في تحالفها مع مصر وسوريا بعد حرب الخليج الأولى".

وبعكس الرنتاوي, يرى الحطاب أن اللحظة التاريخية الضاغطة ستتجاوز الكثير من الترتيبات البيرقراطية لضم الأردن, وتشكيل الحلف العربي الجديد.

المصدر : الجزيرة