وزير الخارجية الإيطالي فراتيني مستقبلا رئيس المجلس الانتقالي الليبي عبد الجليل (الفرنسية)

وقفت إيطاليا عقب تفجر الثورة الليبية موقفا مهادنا لنظام العقيد معمر القذافي, لكن انقلابا حدث بعد ذلك بانضمامها إلى التحالف العسكري الدولي, واعترافها بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلا شرعيا للشعب الليبي, وإرسالها مستشارين عسكريين إلى بنغازي.

ويسلط تقرير لمعهد ستراتفور الأميركي للدراسات الاستخبارية الضوء على ذلك الانقلاب الذي حدث في موقف إيطاليا التي كانت تربطها بنظام القذافي علاقات سياسية واقتصادية وطيدة.

ففي السنوات القليلة الماضية, ضخ نظام القذافي عبر صندوق الاستثمار الليبي مليارات الدولارات في مصارف وشركات إيطالية, وكانت إيطاليا تستورد من ليبيا قبل الثورة ما يقارب ربع حاجتها من النفط, فضلا عن الغاز.

وعلى سبيل المثال كانت شركة "إيني" النفطية الإيطالية العملاقة التي تعمل في ليبيا منذ العام 1959 تدير مشروعا للغاز بقيمة 6.6 مليارات دولار, وكان قسم من الإنتاج يصدر إلى إيطاليا عبر أنبوب تحت مياه البحر المتوسط. 

وفي بداية ثورة 17 فبراير التي قابلها النظام الليبي بقمع شديد, أيدت حكومة سيلفيو برلسكوني ادعاء القذافي بأن الثوار من تنظيم القاعدة, وأنهم بصدد إقامة إمارات إسلامية في المناطقة الشرقية خاصة في درنة.

وقد ردد وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني هذا الاتهام، بينما كان النظام الليبي يشن حملة دبلوماسية لمنع تدخل دولي.

كما أن روما عارضت ابتداء أي تدخل عسكري, وهو ما عبر عنه فراتيني يوم 21 فبراير/شباط الماضي حين قال إنه يتعين على أوروبا ألا تتدخل, وألا تصدر الديمقراطية.

حكومة برلسكوني أكدت أنها قطعت
صلتها تماما بنظام القذافي (وكالات)
موقف مختلف
بيد أن لهجة إيطاليا تغيرت شيئا فشيئا مع تشكل موقف دولي أكثر حزما إزاء القمع الدموي للثورة الليبية.

وحين بدا لإيطاليا أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) جادان في التدخل العسكري, وضعت سبعا من قواعدها الجوية تحت تصرف طائرات دول التحالف الذي بدأ منتصف مارس/آذار الماضي تطبيق الحظر الجوي فوق ليبيا بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم 1973.

وكانت الولايات المتحدة قد قادت العمليات العسكرية لنحو أسبوعين قبل أن تسلم القيادة للناتو.

وكانت إيطاليا من بين الدول التي ضغطت كي تنتقل قيادة العمليات إلى الناتو, وزاد تدريجيا انخراطها في الضغط الدولي على نظام القذافي مع أن طائراتها ظلت مكتفية بمراقبة الأجواء الليبية دون قصف أهداف على الأرض.

لكن وزير الخارجية فراتيني قال منتصف هذا الشهر إن الطائرات الإيطالية يمكن أن تقصف أهدافا أرضية إذا تلقت من الثوار "حججا قوية" تبرر القصف.

التحول الحاسم
وربما حدث التحول الحاسم في الموقف الإيطالي على ضوء تصريحات المجلس الوطني الانتقالي الليبي بأن الدول التي وقفت بقوة مع الثوار هي فقط التي ستحصل على امتيازات بعد إسقاط نظام القذافي.

ويبدو أن روما قررت في هذا التوقيت تحديدا قطع الصلة مع القذافي, وكان -على الأرجح- لزيارة رئيس شركة "إيني" باولو سكاروني إلى بنغازي مطلع هذا الشهر دور كبير في انقلاب الموقف الإيطالي.

وتُرجم هذا الانقلاب إلى إعلان إيطاليا يوم 14 أبريل/نيسان الجاري اعترافها بالمجلس الانتقالي ممثلا للشعب الليبي، لتكون ثالث دولة تعترف به بعد فرنسا وقطر, وتأكيدها في اليوم نفسه أنه لم يعد لها علاقة بنظام القذافي.

وبعد أربعة أيام من ذلك التاريخ, استقبلت إيطاليا رئيس المجلس مصطفى عبد الجليل الذي زار بعد ذلك فرنسا.

وقبل ثلاثة أيام من اعتراف بلاده بالمجلس الوطني الانتقالي, قال فراتيني إنه ينبغي ألا يكون للقذافي أو أحد من أبنائه دور في المستقبل, بينما كانت الحكومة الإيطالية قد أعلنت قبل هذا أنها جمدت الأموال الليبية لديها.

وكان إعلان وزير الدفاع الإيطالي إغنازيو لاروسا الأربعاء الماضي عن إرسال مستشارين عسكريين إلى بنغازي لمساعدة الثوار دليلا آخر على أن إيطاليا قطعت نهائيا علاقتها مع نظام القذافي, وأن الطرفين اتفقا -في ما يبدو- على أنه يتعين وضع التعاون الاقتصادي وإسقاط القذافي على رأس الأهداف المشتركة. 

المصدر : الجزيرة