من المظاهرات المناوئة للرئيس اليمني في العاصمة صنعاء (رويترز-أرشيف)

جاءت مطالبة الولايات المتحدة لرعاياها بمغادرة اليمن بدعوى ما وصف بارتفاع مستوى المخاطر الأمنية، ليعيد للأذهان دعوات عديدة مماثلة سابقة أصبحت مؤشرا على تصاعد الأحداث في العديد من البلدان، مثلما حدث في كل من مصر وليبيا.

جاء الطلب الرسمي الأميركي بعد اتساع ظاهرة الاحتجاجات المطالبة برحيل الرئيس علي عبد الله صالح، لكن المفاجئ فيها أنها تمت من غير أن تلوح في أفق الأحداث إمكانية تصعيد أمني واسع النطاق يستلزم ما صاحب الطلب من تحذير، حيث استعاد المراقبون حالات سابقة تلتها في الأغلب تداعيات أمنية كانت الولايات المتحدة تعرف بها أو أنها ربما تكون طرفا فيها.

واشنطن كانت قبل ذلك قد طلبت من مواطنيها الخروج من ليبيا ومصر وتونس خلال ثوراتها، وكان الخوف من "الإرهاب" وتداعيات حروب شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على دول عربية ومسلمة قاسما مشتركا بين دعوات رحيل مشابهة وجهت للأميركيين بدول أخرى.

وتعود البدايات المبكرة لنداءات الولايات المتحدة للأميركيين بمغادرة دول في الشرق الأوسط عشية حرب الخليج الثانية التي شنها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في يناير/كانون الثاني 1991 لإخراج الجيش العراقي من الكويت.

الحرب والغزو
وأخذت مطالبات واشنطن لرعاياها بالرحيل العاجل منحى تصاعديا بعد قيام الرئيس الأميركي السابق جورج بوش(الأبن) بشن الحرب على أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001 وغزو العراق في 20 مارس/آذار 2003.

وفي إطار استعداد الولايات المتحدة لغزو العراق أصدرت الخارجية الأميركية أوائل يناير/كانون الثاني 2003 بيانا نصحت فيه رعاياها في البحرين وقطر والسعودية بالتفكير في مغادرتها بسرعة، وطلبت من موظفي سفراتها غير الرئيسيين في الدول الثلاث الرحيل من هناك.

وحذرت الوزارة في نفس التوقيت آلاف الأميركيين في السعودية والكويت من تزايد المخاطر المحدقة بهم وحثتهم على الرحيل، ودعت الموظفين غير الرئيسيين في سفاراتها بإسرائيل والأردن وسوريا ولبنان للمغادرة الفورية تحسبا لهجمات محتملة على المصالح الأميركية هناك.

وفي أواخر مارس/آذار 2003 دعت الولايات المتحدة الأميركيين في اليمن للرحيل بسرعة تحسبا لهجمات متوقعة على منشآت أميركية احتجاجا على غزو العراق، كما طلبت السفارة الأميركية في بيروت في الشهر التالي من رعاياها في لبنان التفكير في الخروج من هذا البلد بسرعة إلى حين استقرار الأوضاع المضطربة بسبب الحرب على العراق.

إرهاب واغتيال وحرب 
وفي 18 ديسمبر/كانون الأول 2003 صعدت واشنطن تحذيراتها من تهديدات محتملة في السعودية، ودعت دبلوماسييها غير الأساسيين لمغادرة المملكة مع عائلاتهم، ومثل الخوف من هجمات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب سببا لتكرار الولايات المتحدة نفس الدعوة بالرحيل لدبلوماسييها ومواطنيها في جدة والرياض عام 2004 ومعظم السنوات التالية.

وفي نهاية أبريل/نيسان 2004 حثت أميركا مواطنيها على مغادرة قطاع غزة وإسرائيل بسبب مخاوف أمنية متصاعدة، بعد قيام إسرائيل باغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسسة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والدكتور عبد العزيز الرنتيسي القيادي البارز في الحركة.

وإثر الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو/تموز 2006 لم تكتف إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بدعوات المغادرة، بل أرسلت حينذاك خمس سفن حربية لإجلاء دبلوماسييها غير الرئيسيين ورعاياها من لبنان، وفي عام 2008 دعت واشنطن الأميركيين لمغادرة لبنان بسبب تفاقم الأوضاع السياسية التي كانت قائمة هناك.

وشهدت السنوات الخمس الأخيرة تزايدا مطردا ولافتا في الدعوات التي وجهتها الإدارتان الحالية والسابقة في الولايات المتحدة، لمواطنيها ودبلوماسييها غير الرئيسيين في اليمن بالرحيل من هناك بسرعة بسبب المخاوف من هجمات يشنها عليهم تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب.

وفي أغسطس/آب 2009 انتقلت الدعوة لرحيل الأميركيين الفوري إلى بلد جديد هو موريتانيا، حيث أبلغت الخارجية الأميركية رعايا الولايات المتحدة هناك بالمغادرة، بعد مقتل المواطن الأميركي كريستوف لانغيز في نواكشوط، وتفجير استهدف فرنسيين أمام سفارة بلادهم في العاصمة الموريتانية.

دول وثورات
كما توسعت دعوات الولايات المتحدة لمواطنيها بالمغادرة وشملت دولا مختلفة، ففي يونيو/حزيران 2006 نصحت واشنطن جميع رعاياها بمغادرة أوزبكستان فورا تجنبا لتهديدات إرهابية مباشرة، وفي نهاية العام الماضي تكررت نفس الدعوة للأميركيين في ساحل العاج بعد اضطرابات وأعمال عنف شهدها هذا البلد الأفريقي بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

ومع اشتداد حدة الاحتجاجات الشعبية ضد أنظمة الحكم في تونس ومصر وليبيا واليمن مطلع العام الجاري شرعت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في إجلاء مواطنيها من الدول الأربع، وتبدو الدعوات الموجهة للأميركيين في بلدان أخرى للرحيل مرشحة للتزايد، مع تزايد المؤشرات على انتقال الثورات العربية الراهنة إلى بلدان جديدة.

المصدر : الجزيرة