إنتاج النفط العراقي لم يعد أبدا إلى ما كان عليه في عهد صدام (رويترز-أرشيف)

قال الأستاذ بجامعة همشاير الأميركية مايكل كلار إنه مهما كانت نتائج الحركات الاحتجاجية والثورات الشعبية التي تجتاح حاليا منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, فالمؤكد أن عالم النفط سيشهد هزة عنيفة تغيره بصفة جذرية.

وأضاف في مقال نشر بموقع "إينرجي بولتن" الإلكتروني أن القوى الغربية ما فتئت منذ اكتشاف النفط تتدخل في المنطقة لدعم الأنظمة الاستبدادية بهدف ضمان تواصل تدفق النفط وفق ما تحتاجه اقتصاداتها وصناعاتها.

وقال إن هذه التطورات تعني –على أي حال- أن النظام الحالي لإنتاج النفط وتوزيعه بدأ بالتلاشي, ليحل محله عهد جديد يقطع نهائيا مع فترة تتميز برخص النفط وسهولة الوصول إلى هذه المادة الحيوية.

وأشار الكاتب إلى أن الأرقام المتوافرة -التي يعود أحدثها إلى العام 2009- تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنتج يوميا 29 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل 36% من الإنتاج العالمي، وهو ما يؤكد أهمية هذه المنطقة عالميا في مجال الطاقة.

ويذهب معظم هذا الإنتاج إلى كبرى الدول والقوى المستوردة للنفط بهدف تلبية حاجاتها من الطاقة، وهي أساسا الولايات المتحدة والصين واليابان والاتحاد الأوروبي.

ومن المنتظر أن تزداد أهمية المنطقة خلال السنوات القادمة لاحتوائها على نحو ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط, حيث تتوقع وزارة الطاقة الأميركية أن توفر المنطقة 43% من احتياجات العالم النفطية بحلول العام 2035.

قناة السويس حيوية لمرور شحنات النفط (الفرنسية-أرشيف)
إيران والعراق
ويمضي الكاتب يقول إن أي نظام جديد (أو فوضى جديدة) يسود المنطقة إثر هذه التطورات، لن يضمن مواصلة تزويد السوق بالنفط الرخيص بصورة سلسة ومنتظمة بحكم التجارب التاريخية.

ويستدل على ذلك بالمثال الإيراني، إذ لم يستطع الإنتاج النفطي في هذا البلد العودة إلى ما كان عليه قبل الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه عام 1979, فبعدما كانت إيران تنتج نحو ستة ملايين برميل يوميا أضحت اليوم لا تتعدى أربعة ملايين رغم امتلاكها ثاني احتياطي نفطي عالمي.

ويضيف الكاتب أن العراق شهد بدوره نفس التجربة، إذ كان الإنتاج في عهد الرئيس الراحل صدام حسين وحتى عام 1991 يبلغ 2.8 مليون برميل يوميا, ثم تراجع إلى نصف مليون بعد حرب الخليج الثانية، قبل أن يعود الإنتاج عام 2001 إلى 2.5 مليون برميل.

وإثر غزو العراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، وعدت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش آنذاك بما أسمته "العصر الذهبي" لإنتاج النفط العراقي من خلال عودة الشركات النفطية الأجنبية وبيع شركة النفط الوطنية العراقية للقطاع الخاص.

ووضعت الإدارة الأميركية برنامجا لتطوير إنتاج النفط العراقي ينص على إنتاج 3.4 ملايين برميل يوميا عام 2005 و4.1 ملايين عام 2010، ليصل إلى 5.6 ملايين بحلول عام 2020.

ويضيف مايكل كلار أن شيئا من ذلك لم يحصل بالطبع، إذ لا يتجاوز الإنتاج النفطي العراقي حاليا 2.5 مليون برميل يوميا (مقابل توقعات بـ4.1 ملايين)، بعدما ظل في حدود المليونين خلال الفترة بين عامي 2003 و2009، ولم يصل -على أي حال- إلى ما كان عليه في عهد صدام.

ثوار ليبيون قرب منشأة  نفطية براس لانوف (رويترز)
نتائج عكسية
وخلص الباحث إلى القول إن الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه مما سبق، أن أي تدخل خارجي من أجل السيطرة على المجريات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بهدف ضمان تدفق المزيد من النفط سيؤدي حتما إلى نتائج عكسية.

وشدد على أنه على الولايات المتحدة والقوى الغربية أن تتعامل بحذر مع الثورات والحركات الاحتجاجية التي اندلعت في المنطقة، باعتبار أن سكان هذه البلدان مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية ومعتقداتهم الدينية يتفقون على رفض الهيمنة الأجنبية, ويظل تحقيق الاستقلال والحرية أهم لديهم بكثير من زيادة إنتاج النفط.

وأشار الكاتب إلى أن دول المنطقة المنتجة للنفط مثل السعودية والجزائر وليبيا والعراق وعمان والسودان، أو التي تمر منها الأنابيب كالأردن، أو التي بها ممرات إستراتيجية لناقلات النفط كمصر والبحرين واليمن، والتي تحظى بدعم عسكري أميركي، تشهد كلها هذه الأيام الصيحة الشهيرة "الشعب يريد تغيير النظام".

وأضاف أن اثنين من أنظمة هذه المنطقة سقطا بالفعل (تونس ومصر)، وثلاثة تنازع من أجل البقاء (ليبيا واليمن والبحرين)، والبقية ما زالت تواجه خطر تفجر الأوضاع في كل حين، وهو ما انعكس على شكل ارتفاع صاروخي لأسعار النفط التي بلغت 115 دولارا للبرميل.

وختم الكاتب مقاله بأنه في ظل هذه المستجدات يمكن اعتبار الارتفاع في أسعار النفط بمثابة مقدمة للزلزال النفطي القادم, مضيفا أن النفط لن يختفي من الأسواق، لكن المنتجين لن يكونوا قادرين خلال العقود القادمة على تلبية حاجيات السوق المتزايدة, وهو ما يستدعي التطوير العاجل لمصادر الطاقة البديلة، والخفض الواضح لمعدلات استهلاك النفط العالمية لتفادي أزمة تنعكس بشدة على الاقتصاد.

المصدر : مواقع إلكترونية