القذافي لم يظفر من مغامراته في القارة السمراء سوى بلقب ملك ملوك أفريقيا (رويترز)

المحفوظ الكرطيط

ظل العقيد معمر القذافي منذ استيلائه على الحكم في ليبيا عام 1969 يناور على جبهات إقليمية ودولية كثيرة، ورط خلالها البلاد في مغامرات وصراعات وأزمات بمشارق الأرض ومغاربها، ما كلف البلاد غاليا وعطل فيها التنمية وجعلها معزولة عن العالم لفترة طويلة.

فمنذ سنوات حكمه الأولى لم يقاوم القذافي القادم إلى سدة الحكم في ربيعه الـ27 إغواء وسلطان الأحلام الثورية ولم يرد لها أن تبقى حبيسة بلاده، وبدأ يسعى لتصديرها بشتى الوسائل للجوار العربي وبقية أصقاع الدنيا.

فبعد أن فشلت كل التجارب الوحدوية التي خاضها في صيغ ثلاثية أو رباعية أو ثنائية مع مصر أو السودان أو سوريا أو تونس أو المغرب، راح القذافي يسعى لتحقيق أحلامه بطرق وأساليب أخرى من خلال تقديم الدعم المادي لحركات توصف بالمتمردة والمسلحة والانفصالية والتحررية.

وقد تورط القذافي بشكل كبير في نزاع الصحراء الغربية، من خلال دوره في قيام حركة البوليساريو منذ العام 1975 ودعمها ماليا ولوجستيا في مطالبها باستقلال ذلك الإقليم عن المغرب.

وعلى غرار تورطه في نزاع الصحراء الغربية لم يخف القذافي أنه لعب دورا في الحرب الأهلية في لبنان (1975-1989)، وقال في بعض المناسبات إنه أنفق فيها حوالي مليار دولار، فيما لا يزال الغموض يلف ظروف اختفاء الإمام موسى الصدر منذ كان ضيفا على ليبيا في أغسطس/آب 1978.

تورطت ليبيا في تفجير طائرة فرنسية فوق النيجر عام 1989، وهو ما كلف الخزينة الليبية في السنوات اللاحقة ملايين الدولارات تعويضات لأسر الضحايا
مورو وأخواتها
ولكن يبدو أن القذافي لم يجد في الفضاء العربي المتنفس الكافي لأحلامه، فراح يغدق الدعم المالي للجيش الجمهوري الأيرلندي الذي كان يقاتل من أجل تحرير أيرلندا الشمالية من الحكم البريطاني، ولجبهة مورو في الفلبين ولجماعة الدرب المضيء في البيرو.

وفي وقت من الأوقات التفت القذافي جنوبا، فتورط على مدى سنوات طويلة في الشأن التشادي وتقلبات الحكم فيه، قبل أن يدخل معه في حرب مفتوحة بشأن شريط أوزو الحدودي تكبد فيها الكثير من النكسات العسكرية والخسائر المادية والإخفاقات الدبلوماسية.

وفي تداعيات ذلك النزاع تورط النظام الليبي في تفجير طائرة فرنسية فوق النيجر عام 1989، وهو ما كلف الخزينة الليبية في السنوات اللاحقة ملايين الدولارات تعويضات لأسر ضحايا ذلك التفجير إلى جانب تشويه سمعة البلد وعزله.

وقد زادت مغامرات القذافي في القارة السمراء لاحقا، بعد أن بات مقتنعا بأن أفريقيا هي البعد الطبيعي لبلاده وأن العروبة كانت مجرد سحابة صيف عابرة، وهكذا وسع الدعم لأطراف أفريقية كثيرة شملت حتى بعض القبائل المجهولة في غرب القارة، وهو ما أكسبه رئاسة دورية للاتحاد الأفريقي ولقب "ملك ملوك" أفريقيا الذي أثار سخرية الكثيرين.

تزامنا مع تسوية ملف لوكربي عام 2003 أعلن النظام الليبي تخليه عن برنامجه النووي ثمنا لتطبيع علاقته مع الغرب خاصة الولايات المتحدة
لوكربي والنووي
وإلى جانب تعويض ضحايا الطائرة الفرنسية دفع النظام الليبي حوالي 2.5 مليار دولار تعويضات لأسر ضحايا طائرة أميركية اتهمت المخابرات الليبية بتفجيرها فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988 بعد سنوات طويلة من الشد والجذب والمعاناة في ظل عقوبات دولية صارمة.

وتزامنت تسوية ذلك الملف عام 2003 مع إعلان النظام الليبي عن تخليه عن برنامجه النووي ثمنا لتطبيع علاقته مع الغرب، خاصة مع الولايات المتحدة التي قادت في العام نفسه الغزو الدولي للعراق تحت ذريعته امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.

وكان وقف ليبيا لبرنامج تطوير الأسلحة النووية مجرد جزء من صفقة واسعة شملت تسليم الولايات المتحدة جزءا من المعدات والمواد ذات الصلة بالسلاح النووي وتقديم معلومات سرية عن أطراف أخرى، بينها ما يعرف بشبكة العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان.

وبعد ذلك حاول النظام الليبي تصفية ملف الممرضات والطبيب البلغار الذين قضوا ثمان سنوات في السجن بتهم حقن أطفال ليبيين بالفيروس المسبب للإيدز قبل الإفراج عنهم عام 2007 في صفقة غامضة بين طرابلس وعدد من العواصم الغربية، حيث تردد أن طرابلس هي التي دفعت التعويضات التي تسلمها أهالي الأطفال المصابين فيما أعلن أن الغرب هو الذي قدمها.

المصدر : الجزيرة