زيارة شرف لميدان التحرير أعادت بناء ثقة متهدمة بين الجماهير والحكومة (الفرنسية)

أشرف أصلان

عندما تحدث رئيس الوزراء المكلف في مصر عصام شرف إلى جماهير ميدان التحرير عن انتهاء الجهاد الأصغر وبدء مرحلة الجهاد الأكبر, كان يلمح إلى تحديات كبرى تنتظر حكومته في الفترة الانتقالية الأكثر صعوبة.

وبالنظر إلى قصر الفترة الانتقالية، التي لا تتعدى ستة شهور, يمكن قياس حجم التحديات التي تنتظر حكومة شرف, على خلفية ارتفاع سقف مطالب الجماهير يوما بعد يوم.

ملف الأمن
يبدو ملف الأمن التحدي الأبرز أمام حكومة شرف, حيث لا يزال غياب قوات الشرطة عن الشارع المصري أحد أبرز سمات مرحلة ما بعد 25 يناير وسقوط نظام مبارك.

ومع الأيام الأولى لحكومة شرف, لا تزال الدراسة معطلة في العديد من الجامعات والمدارس والمؤسسات بسبب غياب الأمن.

وتنتظر شرف في هذا الصدد مهمة صعبة تتعلق بإعادة بناء جدران الثقة بين الشعب والشرطة مرة أخرى, وهي عملية زاد من خطورتها الاحتقان المستمر الموجه إلى جهاز مباحث أمن الدولة. وقد جاء قرار تجميد عمل هذا الجهاز خطوة في هذا السياق, انتظارا لخطوات أخرى تتعلق بإعادة هيكلة وزارة الداخلية وتغيير فلسفة التعامل مع المواطنين.

كما تتصدر لائحة المطالب الجماهيرية في هذا الصدد, دعوات متزايدة للإفراج عن جميع المعتقلين, مع إلغاء قانون الطوارئ, وهو أمر ربطه الجيش في أكثر من مناسبة بتطورات واستقرار على الأرض.

العلاقة بين المصريين والشرطة تعرضت لشروخ متعددة (الأوروبية-أرشيف)
حرب الفساد
ويتصدر هذا الملف فساد عائلة مبارك وأعداد متزايدة من رموز النظام السابق, وهي أمور جمعت ملفات أصابت الشارع المصري بالصدمة والذهول بسبب حجم ما سرق من أموال وما نهب من أراض وممتلكات.

وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى تقرير لصحيفة غارديان البريطانية أشار إلى أن ثروة مبارك قد تصل إلى 70 مليار دولار، وقال إن جزءاً كبيراً منها موجود في بنوك سويسرية وبريطانية أو على شكل عقارات في لندن ونيويورك ولوس أنجلوس، إضافة إلى ممتلكات خاصة على طول شاطئ البحر الأحمر.

صحيح أن إجراءات متلاحقة بدأتها حكومة شفيق تمثلت في قرارات حظر السفر وتجميد الأرصدة التي شملت مبارك وعائلته, لكن حكومة شرف تواجه مطالب متزايدة بمحاكمة الرئيس المخلوع وإنهاء حالة الغموض التي تحيط بإقامته في منتجع شرم الشيخ.

اقتصاد الأزمة
تطل الأزمة الاقتصادية الطاحنة برأسها على حكومة شرف وتتهدد قطاعات واسعة من الشعب المصري, على خلفية خسائر واضحة تعرضت لها البلاد, فضلا عن خسائر البورصة المغلقة والتي بلغت على سبيل المثال 70 مليار جنيه (نحو 12 مليار دولار) في يومين فقط.

وتواجه حكومة شرف مطالب فئوية متصاعدة, ترتبط بمظالم أشعلت احتجاجات عمالية في أنحاء متعددة, وهددت بوقف خطوط إنتاج رئيسية ومؤسسات مهمة على رأسها قطاع البنوك.
 

غارديان قالت إن ثروة مبارك قد تصل إلى 70 مليار دولار (الفرنسية-أرشيف)
الإصلاحات السياسية
ويعتبر تعديل الدستور أحد أبرز التحديات التي ربما يتراجع الجدل بشأنها مع إقرار موعد الاستفتاء على التعديلات يوم 19 مارس/آذار الجاري. وحتى ذلك الموعد يبقى الجدل حول مواد تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية بمثابة صداع في رأس حكومة شرف.

كما يتعين على هذه الحكومة متابعة تنفيذ الإصلاحات والاستماع في فترة قصيرة للغاية لرؤى متعددة من مختلف القوى السياسية بشأن تصورات للإصلاح في المرحلة المقبلة.

تصدير الغاز
وينضم ملف تصدير الغاز لإسرائيل إلى قائمة التحديات, حيث توقفت عمليات ضخ الغاز في الخامس من فبراير/شباط الماضي بعد هجوم استهدف أنبوبا للنفط في شمال سيناء في مصر, ويبدو أن الأمر بانتظار موقف سياسي لاستئناف التصدير قبل عنصري الأمن والاقتصاد في هذا الصدد.

وقد تحدثت صحيفة "إسرائيل هايوم" القريبة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن احتمال تأجيل السلطات المصرية تصدير الغاز لأسباب سياسية وليس تقنية بعد سقوط مبارك.

وبحسب وزارة البنية التحتية الإسرائيلية، تؤمن مصر 43% من الغاز الطبيعي المستخدم في إسرائيل خصوصا لمحطات الكهرباء.

وكانت أربع شركات إسرائيلية وقعت في ديسمبر/كانون الأول الماضي اتفاقات جديدة لشراء الغاز من مصر لمدة عشرين عاما لقاء مبلغ قدر بما بين خمسة وعشرة مليارات دولار, في صفقة حفتها شبهات متعددة ورفضتها ثورة 25 يناير, وأبطلتها من قبل أحكام قضائية واجبة النفاذ.

الحوار مع الشباب
وفي محاولة للاقتراب من التحديات بشكل مباشر, قام شرف بخطوة نادرة حيث توجه إلى ميدان التحرير في أول يوم بعد تكليفه, ليحمله المحتشدون هناك على الأعناق, رافعين شعارات "نحن معك", بينما طلب هو منهم التحلي بالصبر وأقر بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كلفه بمهمة ثقيلة.

كما أرسى شرف مبدأ "شرعية الميدان", قائلا للجماهير في التحرير "أنا هنا لآخذ شرعيتي منكم, وسأبذل كل جهدي لألبي مطالبكم".

وقد اعتبرت زيارة شرف لميدان التحرير الخطوة الأكثر ذكاء على صعيد القضاء على جبال متراكمة من عدم الثقة في حكومات مصر المتعاقبة على اختلاف أشكالها, الأمر الذي يجعل التوصل إلى حكومة ذات قاعدة شعبية عريضة طريقا لا بديل عنه على الأقل في الوقت الراهن.

المصدر : الجزيرة