أشرف أصلان

لو كان نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك يتصور أن دفاعه المستميت عن قتلة الشاب السكندري خالد سعيد من عناصر الأمن سيفتح عليه كل تلك الأبواب وينتهي به الأمر إلى الرحيل, لما فعل.

فقد فتح مقتل خالد سعيد على أيدي عناصر أمنية في السادس من يونيو/حزيران 2010 باب احتقان غير مسبوق, اعتبر سببا رئيسيا لاندلاع ثورة 25 يناير التي أطاحت بحكم حسني مبارك ودفعت لقرار حكومي بتجميد عمل جهاز مباحث أمن الدولة في الخامس من مارس/آذار 2011.

ويرصد المراقبون والحقوقيون تحول هذا الجهاز وعناصره المعروفين لدى المصريين باسم "زوار الفجر" إلى عنوان للتعذيب الذي يقولون إنه كان منهجيا في عهد مبارك.

ولم يكن زائر الفجر يحمل هذا الاسم لأنه يصلي الفجر مع المواطنين, وإنما لأنه اختار هذا الوقت لتنفيذ مهمته باعتقال وتعذيب معارضي النظام.

ولا يخضع عمل الجهاز لأي تفتيش أو رقابة، وربما يصل التعذيب إلى حد القتل، كما حصل مع خالد سعيد الذي يوصف بأنه مفجر ثورة 25 يناير.

كما يرصد الحقوقيون أشكال الانتهاكات وتنوعها, لتبدأ بالاعتقال وتمر بالضرب والصعق الكهربي وهتك الأعراض, وصولا إلى القتل والإفلات من المحاكمة والعقاب. وقد أُضيفت إلى هذه اللائحة جرائم وانتهاكات أخرى على المستوى العام من قبيل التربح وغسيل الأموال، وهي تهم يحاكم بها وزير الداخلية المقال حبيب العادلي.

 ظلت وظيفة أمن الدولة دون تغيير رغم تغيّر الحكومات والرؤساء, واستقرت آليات عمله مع إضافات لصلاحيات وسلطات واسعة تمثلت في القفز على كل مؤسسات الدولة والانتقاص من حقوق المواطنين وانتهاك الحريات الأساسية
تاريخ طويل
ورغم التاريخ الطويل لهذا الجهاز، الذي يحظى بسمعة سيئة لدى المصريين, لم يفكر أحد في الثورة عليه, واقتصر الأمر على مطالبات على استحياء من أجل حلّه, دون استجابة من أي حكومة سواء تلك التي رعاها الاحتلال البريطاني أو تلك التي أعقبت الاستقلال.

ظهر هذا الجهاز، الذي يعد الأقدم في الشرق الأوسط, عام 1913 في ظل الاحتلال البريطاني لمصر, وحمل عنوان "الأمن السياسي", واستهدف ملاحقة المواطنين الذين يشتبه في مقاومتهم للاحتلال مستعينا بضباط من "البوليس المصري".

وكانت معاهدة 1936 تاريخا فارقا في تطور الجهاز وتفرع تشكيلاته وتوسع اختصاصاته, حيث تمدد تحت مسمى "القلم السياسي" ليصل إلى الإسكندرية عبر إدارة جديدة تتبع القاهرة, بالإضافة إلى قسم آخر يتبع السراي (القصر الملكي) مباشرة ويرأسه قائد البوليس الملكي.

وتزايد نفوذ القلم السياسي حتى طغى على سلطات وزارة الداخلية التي لم يكن لها أي ولاية عليه, حيث كان رئيس هذا القلم يتلقى تعليماته من ملك البلاد مباشرة.

تغييرات شكلية
وبعد ثورة يوليو/تموز 1952 تأسس جهاز "المباحث العامة" ليحل محل القلم السياسي، وتحولت الكثير من مهامه المتعلقة بمواجهة معارضي النظام إلى جهاز المخابرات العامة، حتى تغير المسمى في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ليصبح "مباحث أمن الدولة", وتحول إلى أحد أبرز قطاعات وزارة الداخلية بعد أن تولى من جديد مهمته الأصلية بمواجهة المعارضين أو من يفترض أنهم كذلك.

وقد ظلت وظيفة عناصر هذا الجهاز كما هي دون تغيير رغم تغيّر الحكومات, واستقرت آليات العمل مع إضافات لصلاحيات وسلطات واسعة تمثلت في القفز على كل مؤسسات الدولة، والانتقاص من حقوق المواطنين وانتهاك الحريات الأساسية.

واعتبارا من عام 1980 ظهرت محاكم أمن الدولة لترتبط بقانون صدر بهذا الخصوص. ومع ظهور قانون الطوارئ عام 1981, برزت إلى السطح محاكم أمن الدولة (طوارئ) وهي محاكم لا تخضع أحكامها للطعن, وتخصصت في أغلب الأحوال في كل من ينتمي للتيارات الإسلامية. ويحق للحاكم العسكري (وهو رئيس الجمهورية) فقط تعديل أحكام هذه المحاكم أو إلغاؤها أو المصادقة عليها.


وفي منتصف يونيو/حزيران 2003 أقر مجلس الشعب المصري مشروع قانون يقضي بإلغاء محاكم أمن الدولة، لكنه أبقى على محاكم أمن الدولة (طوارئ).

وحرصت الحكومة المصرية على تكريم قادة هذا الجهاز, حيث كانت تخصهم في نهاية حياتهم الوظيفية بمناصب سياسية, ومن أبرز هؤلاء ممدوح سالم الذي صار وزيرا للداخلية ثم رئيسا للوزراء في عهد السادات, ثم حبيب العادلي الذي صار وزيرا للداخلية قبل أن يقال على وقع الاحتجاجات وصيحات المتظاهرين في ثورة 25 يناير, وينتهي به الأمر إلى المحاكمة.

كما أصبح العادلي أول وزير داخلية يقال على هذا النحو ويحاكم, ليفتح الباب لتجميد عمل جهاز أمن الدولة, في واحد من أول وأشهر القرارات التي اتخذها رئيس الحكومة المكلف عصام شرف بمساعدة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ولأن مصر بعد 25 يناير شهدت ميلاد فجر جديد, فإن "زائر الفجر" الذي يعرفه المصريون ربما يكون قد ذهب إلى غير رجعة.

المصدر : الجزيرة