القذافي يتوسط القادة الأفارقة بقمة جمعتهم بمدينة سرت الليبية بالأول من يوليو/ تموز 2009 (الفرنسية)

عماد عبد الهادي

بحكم القرب الجغرافي والإقليمي لعب نظام الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي أدوارا علنية وأخرى وصفت بالخفية تجاه عدد كبير من الدول الأفريقية. وفي وقت يواصل القذافي انتهاكاته تجاه ثورة شعبه، لفتت عدة جهات إلى ما سمته حملة الإرهاب الواسعة التي دبرها ويدبرها عبر غرب أفريقيا وشرقها.
 
وترى تلك الجهات أن العلاقات التي تربط القذافي ببعض أكثر "الأنظمة القمعية" في العالم والحركات المسلحة بالقارة قد بدأت في ثمانينات القرن الماضي، عندما كان يُنظَر إليه على أنه واحد من أبرز التهديدات الإرهابية في العالم بعدما استعان بأموال وعائدات النفط.

حملات تدريبية
وعلى مدى عقود قام القذافي بتنظيم حملة تدريبية لأشخاص أصبحوا بعد ذلك أمراء للحرب في كثير من دول أفريقيا، وهو الإرث الذي ترك المنطقة مصابة بالشلل وفي حالة من عدم الاستقرار اليوم.
 
ففي "المركز الثوري العالمي" الخاص بالقذافي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم قامت مجموعة مختارة من طلاب السلطة والثروة حتى نجحت في تشكيل شبكة قوية مازالت تُمثل ثقلاً كبيراً اليوم من خلال استمرارها في السلطة مثل رئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري، ورئيس تشاد إدريس ديبي، وقادة الحركة الشعبية بجنوب السودان.
 
لكن ذلك لم يمنع نجاح العقيد في سياساته الاستثمارية التي كان يقوم بها في الأدغال الأفريقية مثل حالة أفريقيا الوسطى وحالة لوران كابيلا الذي وصلت قواته إلى السلطة بجمهورية الكونغو الديمقراطية عام 1997 حينما سقط نظام موبوتو سيسي سيكو.
 
وتدلل بعض الجهات بدور القذافي مع الرئيس الحالي لبوركينا فاسو كومباوري الذي اغتالت قواته صديقه الرئيس توماس سانكارا عام 1987م لتمهيد الطريق أمامه للاستيلاء على السلطة.
 
السودان وتشاد 
وفي السودان دأب نظام العقيد القذافي، وفي غمرة نشوته بصراعه مع الرئيس السوداني السابق جعفر النميري، على دعم متمردي جنوب السودان بقيادة جون قرنق.

كما ساهم في دعم جبهة المعارضة التي كانت تضم الأحزاب الرئيسية المعارضة للنميري، قبل أن يعود ويتعاون مع حكومة الرئيس عمر البشير التي انقلب عليها مؤخرا بدعمه اللامحدود لبعض حملة السلاح في إقليم دارفور.

وشهدت علاقات ليبيا وتشاد تقلبات كثيرة، جعلت من الأخيرة مسرحا لنزوات العقيد الذي ظل يتحول بين المعارضة والحكومة وبين الدولة بشقيها ورغبات نظامه الطامحة لأدلجة كافة الأنظمة المحيطة بليبيا أو الطوفان.

علافات القذافي مع زعماء تشاد شهدت تقلبات كثيرة (الفرنسية-أرشيف)
فقد اعتبر القذافي أن تشاد هي مجاله الحيوي الذي يجب أن يوليه اهتمامه الأساسي لضمان الحصول على موارد بديلة لموارد البترول، فدخل بالتالي مع جارته في نزاع حول السيطرة على شريط أوزو الواقع بين الدولتين.

 ثم ساهم في تولي جوكوني وداي المعارض في حربه ضد حسين حبري، لكن ما لبث أن انقلب على وداي فحاول قتله بمحاولة فاشلة داخل الأراضي الليبية.

وانضم جوكوني إثر ذلك إلى قوات حبري الذي دخل في حرب مباشرة مع طرابلس لتحرير شمال تشاد من القوات الليبية ونجح فيه بالفعل بعد هزيمة نكراء منيت بها قوات القذافي.
 
طوارق مالي والنيجر
في حربهم وتمردهم على نظام الحكم القائم في باماكو (عاصمة مالي) لجأ الطوارق إلي الاستعانة المباشرة وغير المباشرة بالعقيد الذي ظل يوالي دعمهم باعتقاد أنهم ينفذون أجندته التوسعية بالمنطقة.

ورغم التقلب بين تأييده حينا ومعارضته حينا آخر لسياسات مالي، فإن القذافي ما فتئ يبشر الطوارق بإمكانية حصولهم على الجنسية الليبية تنفيذا لوعده بضرورة أن تصبح أفريقيا مملكة واحدة أو اتحادا واحدا، مما دفع ببعض الطوارق لمناصرة القذافي في الحرب الأزمة الحالية التي تعاني منها بلاده.

وتشير المعلومات إلى عدم الاختلاف بين وضعية الطوارق بالنيجر عن وضعية إخوانهم بمالي، خاصة ما يتعلق بحمل السلاح ضد حكومة بلادهم، وبالتالي فقد استغل القذافي تلك الأزمة فعمل على تقديم كافة المساعدات للنيجريين من الطوارق الخارجين على دولتهم.
 
الاستثمارات الليبية
ولم يمنع دعم القذافي لبعض الجماعات المسلحة أو الأنظمة من استغلال الجانب الاستثماري بأفريقيا، حيث تشير الإحصاءات الليبية إلى حجم الاستثمارات الليبية والذي بلغ عام 1991 نحو 32 مليون دينار ليبي (الدولار الأميركي يعادل 1.250 دينار ليبي).

لكن حجم الاستثمارات الليبية بلغت عام 2008 نحو 94 مليون دينار، وتشتمل على المجال السياحي والزراعي والغابي والصناعي والتجاري والتعدين.

وتشمل هذه الاستثمارات تونس وموريتانيا والسنغال وغينيا وساحل العاج وبوركينا فاسو وغانا والغابون والكونغو وأفريقيا الوسطى وتشاد والنيجر ومصر والسودان وإريتريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا ومدغشقر وزامبيا وجنوب أفريقيا وغامبيا وتوغو وبنين وساوتومى وبرنسيب وغينيا الاستوائية وليبيريا وسيراليون وغينيا بيساو ورواندا وبوروندي وسيشل وجزر القمر.

وتشير الإحصاءات إلى أن ليبيا تمتلك 1250 محطة لتوزيع الوقود في مختلف الدول الأفريقية بحجم مبيعات يبلغ نحو أربعة آلاف مليون لتر سنويا، وطاقة تخزينية تقدر بنحو 450 مليون لتر، وتوفر نحو 2800 فرصة عمل بمختلف الدول الأفريقية.

المصدر : الجزيرة