مقر الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بالقاهرة وهو يحترق أثناء الاحتجاجات (رويترز)

كشفت الثورة التي أطاحت في تونس بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وتلك التي تطالب هذه الأيام بالإطاحة بنظام الرئيس المصري محمد حسني مبارك، أن الأحزاب الحاكمة بالبلدان العربية ابتلعت الدولة ومؤسساتها، وانصهرت فيها حتى أصبح من الصعب تبيّن ما للحزب وما للدولة.

ويُعد هذا من الإشكالات العويصة التي واجهت الثورة التونسية بعد هروب بن علي إلى المملكة العربية السعودية يوم 14 يناير/ كانون الثاني الماضي، حيث استمرت المظاهرات مطالبة بحل حزبه التجمع الدستوري الديمقراطي، وفصل هياكله عن مؤسسات الدولة وإعادة أملاك قال المتظاهرون إنها للدولة واستولى عليها الحزب.

أما في مصر فقد تخلص الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم –الذي يرأسه مبارك- من عدد من قياداته التي واجهت انتقادات واتهامات بالفساد، بل أصدر النائب العام قرارا بمنع بعضهم من السفر وتجميد أرصدتهم.

وفي ما يلي بعض مظاهر التداخل الذي كان قائما بين مؤسسات الدولة والحزب الحاكم بكل من مصر وتونس، قبل أن يقدم المكتب السياسي للحزب الوطني بمصر استقالته الأيام الأخيرة، وقبل أن يستقيل قياديون بارزون من حزب التجمع الدستوري وتعلن الحكومة المؤقتة التونسية بدورها تجميد نشاطه وأرصدته وأملاكه.

محمد حسني مبارك يحكم مصر منذ ثلاثين سنة (رويترز)
مصر
الحزب الوطني يهيمن على الحياة السياسية بمصر منذ عقود، ويضيق على معارضيه بأساليب كثيرة، ويقول إن لديه نحو مليوني عضو مسجلين رسميا، وفاز بأغلبية تتراوح ما بين 75% و95% في كل الانتخابات التشريعية التي جرت منذ العام 1979.

رئيس الحزب هو نفسه رئيس البلاد، كما أن أحمد فتحي سرور الذي يرأس مجلس الشعب (الغرفة الأولى بالبرلمان) منذ عشرين سنة كان عضوا بالمكتب السياسي للحزب وتولى أيضا مهام وزارية من قبل، تماما مثل رئيس مجلس الشورى (الغرفة الثانية بالبرلمان) صفوت الشريف الذي كان أمينا عاما للحزب قبل أن يستقيل، كما سبق أن تولى منصب وزير الإعلام فترة سابقة.

وقد اعترف الشريف نفسه في تصريح للتلفزيون الحكومي الأيام الأخيرة بأن ازدواج الصفة الحزبية والحكومية لقادة الحزب "كان يثير حفيظة الكثيرين".

زكريا عزمي زاوج بدوره بين وظيفته أمينا عاما مساعدا لشؤون التنظيم والعضوية والمالية بالحزب الحاكم، وبين منصبه بصفته رئيس ديوان رئاسة الجمهورية.

أما مفيد شهاب الذي كان أمينا عاما مساعدا للشؤون البرلمانية بالحزب، فشغل أيضا منصب وزير التعليم العالي، كما شغل منصب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية.

جمال مبارك نجل الرئيس كان إلى أيام قليلة فقط الأمين العام المساعد وأمين لجنة السياسات التي تتولى رسم السياسات للحكومة، ومراجعة مشروعات القوانين التي ستقترحها حكومة الحزب قبل إحالتها إلى البرلمان.

وبالإضافة إلى ذلك فإن أكثر ما أثار الزوابع حوله هو الاستعدادات التي تقول المعارضة إنها كانت جارية منذ سنوات بالقصر الجمهوري من أجل إعداده ليرث الحكم عن أبيه، وهي إحدى القضايا التي أفاضت كأس الشعب فخرج إلى الشوارع مناديا بإسقاط النظام، واضطر معه مبارك إلى إعلان أنه لن يترشح للرئاسة لا هو ولا ابنه.

جمال مبارك كان يتم إعداده لخلافة والده (الفرنسية)
أحمد عز –الذي كان أمينا عاما للحزب- أثيرت حوله هو الآخر زوابع لكونه محتكر تجارة الحديد بمصر ويلقب بـ"ملك الحديد"، فهو يملك عدة شركات للحديد بعضها ساهمت الحكومة بأموال الشعب من أجل انطلاقها.

وتعد شركات أحمد عز أكبر منتج للحديد بالعالم العربي وفقا لآخر تقرير للاتحاد العربي للصلب، وتليها شركة سابك السعودية، وقد منع من السفر وجمدت حساباته وستحقق معه النيابة العامة بتهمة التعدي على أملاك الدولة والتربح والاستيلاء على المال العام.

وبالإضافة إلى ذلك فإن علي الدين هلال الذي كان أمينا عاما للإعلام بالحزب، كان كذلك وزيرا للشباب، وكمال الشاذلي الذي توفي قبل اندلاع الثورة كان عضوا قياديا بالحزب تولى عدة مناصب بالدولة.

كما أن فرخندة حسن القيادية بالحزب تشغل منصب الأمين العام للمجلس القومي للمرأة الذي أنشئ من أجل اقتراح السياسة العامة للمجتمع ومؤسساته الدستورية في مجال تنمية شؤون المرأة وتمكينها من أداء دورها الاقتصادي والاجتماعي ودمج جهودها في برامج التنمية الشاملة، وهو المجلس الذي ترأسه كذلك سوزان مبارك زوجة الرئيس.

وحسب تقرير لمؤسسة كارنيغي فإنه "علاوة على سيطرة الحزب على المؤسسات التشريعية الأساسية، يُهيمِن أيضاً على الحياة الثقافية والسياسية من خلال النظام التعليمي ولجان الإشراف التي تنظّم أنشطة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني المرخصة".

وبالإضافة إلى سيطرة كثير من قيادات الحزب على الاقتصاد واحتكارهم للاستثمار بعدة مجالات، ذكرت غارديان البريطانية أن ثروة مبارك وعائلته تتراوح بين أربعين وسبعين مليار دولار وفقًا لتحليل خبراء شرق أوسطيين.

وأوضحت الصحيفة أن هذه الثروة موزعة ما بين أرصدة ببنوك سويسرية وبريطانية، وعقارات ببريطانيا والولايات المتحدة ومصر.

ليلى الطرابلسي زوجة الرئيس التونسي المخلوع وابنتها حليمة (الفرنسية)
تونس
التجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم سابقا بتونس، يسيطر بدوره على جميع دواليب الحياة السياسية منذ الاستقلال (1956) عبر حصوله على الأغلبية المطلقة في الانتخابات التي خاضها، سواء الرئاسية منها أو التشريعية وحتى البلدية.

كان يدعي هو الآخر أن عدد المنتسبين إليه هو مليونا عضو، وتتداخل أجهزته وقياداته مع أجهزة وقيادات الدولة، فبن علي كان يرأسه ويرأس تونس منذ 1987، ومحمد الغنوشي كان نائبا له في رئاسة الحزب ورئيسا للوزراء.

وكان الكثير من التونسيين يرون أنه "المصعد إلى مناصب الدولة" قبل أن تقوم الثورة وتقرر الحكومة المؤقتة استرجاع أملاك الدولة منه واستدعاء من كانوا مفرغين من موظفي الدولة للعمل في هياكله.

أمين المال بالحزب كان هو عبد الله القلال الذي يرأس أيضا مجلس المستشارين، وكان بوقت سابق وزيرا للداخلية. كما أن عضو المكتب السياسي فؤاد المبزع يرأس البرلمان. وعبد العزيز بن ضياء الذي كان عضوا بالمكتب السياسي وأمينا عاما من قبل، هو الآخر كان أحد المستشارين المقربين للرئيس المخلوع وشغل مناصب وزارية كثيرة منها وزير التعليم والدفاع، وكان رئيسا للمجلس الدستوري.

عضو المكتب السياسي سابقا رفيق بلحاج قاسم كان بدوره وزيرا للداخلية، كما أن المكتب السياسي كان يضم أيضا كمال مرجان الذي يشغل منصب وزير الخارجية، وعبد الوهاب عبد الله المستشار الإعلامي لبن علي.

حامد القروي كان هو الآخر نائبا لرئيس الحزب، وكان أيضا رئيسا للوزراء. وعبد الرحيم الزواري كان أمينا عاما وتولى وزارات عديدة.

وعلى المستوى الاقتصادي هيمن بعض قادة الحزب، وخاصة عائلة بن علي وعائلة زوجته ليلى الطرابلسي التي سماها كتاب صدر عنها بفرنسا "حاكمة قرطاج" وقال إنها كانت تحكم تونس من خلف الستار.

محمد صخر الماطري زوج ابنة الرئيس التونسي المخلوع (الأرووبية)
ويقول الكتاب إنها عينت أفراد عائلتها بمناصب الدولة الحساسة وسيطروا على المفاصل الاقتصادية للبلاد، ويؤكد مؤلفاه أنها (ليلى) كانت تتخذ قرارات سياسية في تعيين الوزراء وإقالتهم.

وفي السياق ذاته شبهت برقيات دبلوماسية أميركية مسربة نشرها موقع ويكيليكس عائلة الرئيس وعائلة زوجته بـ"المافيا" وقالت إن نصف أصحاب المصالح والشركات التونسيين تربطهم على ما يبدو صلة قربى ببن علي، وإن الكثير من هؤلاء الأقارب استغلوا العلاقة أبشع استغلال.

فالاستثمارات الواسعة العائدة إلى بلحسن الطرابلسي -أخو زوجة بن علي- شملت قطاعات الطيران والسياحة والإعلام والتأمين والزراعة وتجارة السيارات والاستيراد والتصدير، إضافة إلى الاستثمارات العقارية.

كما أن محمد صخر الماطري -وهو زوج نسرين بن علي ابنة الرئيس المخلوع- استثمر في مؤسسات إعلامية، ويملك بنك الزيتونة الإسلامي، وتقول عنه إحدى برقيات ويكيليكس "لقد كان عيشه وسط ثراء وبذخ غير عادي، وهو أحد أسباب الاستياء المتعاظم من سلوك أصهار الرئيس بن علي".

أما سليم شيبوب زوج دورصاف بن علي ابنة الرئيس فقد استفاد -وفق بعض التقارير- من اقتناء قطع أرضية واحتكر سوق الصيدلة في تونس، والتي أخذت منه فيما بعد في إطار المنافسة بين عائلته وعائلة الطرابلسي.

ويملك شيبوب كذلك فندقا خاصا بمدينة كان الفرنسية. وعام 2001 تمكن من إنشاء سوق ممتاز لسلسلة متاجر "كارفور" الفرنسية بالقرب من "سكرة" بالضاحية الشمالية لتونس، وذلك على أرض بيعت له بثمن رمزي.

فكرة توريث الحكم لم تكن مطروحة في تونس بشكل التوريث من الأب للابن، غير أن لوموند الفرنسية كشفت الأسابيع الأخيرة عما قالت إنها خطة كان يُعَد لها لتولي ليلى الطرابلسي مقاليد الحكم بعد أن تطيح بزوجها بداية 2013.

وقالت الصحيفة إن السيناريو الذي أعِد لذلك يشمل الإعلان عن استقالة بن علي لأسباب صحية والدعوة لانتخابات عامة تتوج بفوز ليلى بعد أن يكون الحزب الحاكم نظم مسيرة مليونية بتونس العاصمة تطالب بترشيحها.

المصدر : الجزيرة + وكالات